Skip to main content

السراب المظلم

بدوي الجبل

العصر الحديث

حَنَا السَّرابُ على قلبي يُخادِعُهُ بالوَهمِ مِن نَشوَةِ السُّقيا وَيُغرِيهِ
فَكيفَ رُحتُ ولي عِلْمٌ بِباطِلِهِ أَهوى السَّرابَ وَأرجُوهُ وَأُغْلِيهِ
وَيْحَ السَّرابِ على الصَّحراءِ تُسْلِمُهُ رِمالُها السُّمْرُ مِن تِيهٍ إلى تِيهِ
يُزَوِّرُ الماءَ لِلسُّقيا وَلَهفَتُهُ حَرَّى إلى مَنهَلٍ يَحنُو فَيَسْقِيهِ
جلا النَّمِيرَ وما ابْتَلَّت جَوانِحُهُ مِنَ النَّميرِ ولا ابْتَلَّت مَآقيهِ
أَيَّامُهُ خُدَعٌ لِلرَّكبِ ضاحِكةٌ سُخْرًا وَلِلْعَدَمِ القاسي لَياليهِ
صَرعاهُ لو عَرَفُوا الأسرارَ ما جَزِعُوا مِمَّا يُعَانُونَ بَلْ مِمَّا يُعانيهِ
أَلا يَمَلُّ السَّرابُ الغَمْرُ وَحْدَتَهُ أََلا يَحِنُّ الى نُعمى تُنَدِّيهِ
هَيْمانُ لَهفانُ لا مَأْوى لِوَحشَتِهِ قلبي الَّذي وَسِعَ الأكوانَ يُؤْوِيهِ
أبكي لِبَلواهُ تَحنانًا وَمَغفِرةً رُوحُ الأُلُوهَةِ رُوحي حِينَ أَبكِيهِ
إذا خُدِعتُ فقد جازَيتُ خُدعتَهُ بالعُذرِ أبسُطُهُ والذَّنبِ أَطويهِ
أدعو السَّرابَ إلى رُوحي فَقد حَلِيَت بها اللُّباناتُ تُرضِيهِ وَتُغْوِيهِ
لَهْفي عَلَيهِ أَسيرًا في يَدَيْ قَدَرٍ يُمِيتُهُ كُلَّ يومٍ ثُمَّ يُحيِيهِ
يَغيضُ قبلَ رَفيفِ الجَفنِ زاخِرُهُ أَقَلبُهُ جَفَّ أَمْ جَفَّت سَواقِيهِ
ماءٌ ولا رِيَّ يَندى في شَمائِلِهِ كأنَّهُ القَولُ فاتَتهُ مَعانيهِ
يُزَوِّقُ الحُسنَ ألوانًا وما عَصَفَت بِرُوحِهِ سورَةٌ للحُسنِ تُصبيهِ
هذي مَراعيهِ عُطْلٌ مِن بَشاشَتِها حَنَّت لِشَبَّابَةِ الرَّاعي مَراعيهِ
لو صَعَّدَ القَصَبُ الوَلْهانُ زَفرَتَهُ لَنَوَّرَت بِيْدُهُ واخْضَلَّ وادِيهِ
ما لِلسَّرابِ دَنا حَتَّى إِذا اكْتَحَلَت بِسِحْرِ دُنياهُ عَيني شَطَّ دَانيهِ
أنتَ السَّرابُ ولكنِّي على ظَمَئِي بأَنْهُرِ الخَمرِ في الفِردَوسِ أَفديهِ
مَحَوتُ مِن قلبيَ الدُّنيا فما سَلِمَت إلَّا طُيوفُ هَوانا وَحدَها فيهِ
المصدر: ديوان بدوي الجبل دار العودة ـ بيروت الصفحة: 402
سمات القصيدة
القراءات: 28 قراءة