Skip to main content

هل بارع الشعراء غير مقصر

ابن العلاني المعري

العصر الأيوبي

هل بارِعُ الشُّعراءِ غيرُ مُقَصِّرِ عن بارِعٍ مِن مجدِكَ المُتخَيَّرِ
أم كُنهُهُ ما ليسَ يُدرِكُهُ بذا قَولٌ كمَنسوقِ الجُمانِ مُحبَّرِ
فعَلى البليغِ الجهدُ منهُ فإن يَجِدْ يُحمَدْ، وإن يَكُ مُقصِرًا فلْيُعذَرِ
يا ناصِرَ الدِّينِ الَّذي لو لم تَطُلْ منهُ مُقارَعةُ العِدا لم يُنصَرِ
لِيَطُلْ بقاؤُكَ للمَكارِمِ والعُلا فرُبوعُهنَّ مَعالِمٌ لم تَدثُرِ
ولْتَرعَ عينُ اللهِ منكَ حُلاحِلًا سبقَ الوَرى سبْقَ الجوادِ المُحضِرِ
يَحتاطُكَ التَّوفيقُ لا يَألوكُ في تَسهيلِهِ لكَ كلَّ صَعبٍ أوعَرِ
وإذا دَجَت ظُلَمُ الأُمورِ فلا تَزلْ سَبَّاقَها بسِراجِ رأيٍ أنوَرِ
للهِ هِمَّتُكَ الخَطيرةُ إنَّها خُلِقَت لِصَبٍّ بالعُلا مُستَهتِرِ
لمُؤرَّقٍ في المجدِ مَضَّاءٍ على الـ ـأَهوالِ ثَبْتٍ ما يُراعُ بِمُسهِرِ
والمَجدُ صَعبُ المُرتقى إلَّا على يَقظانَ في ذاتِ الإلهِ مُشمِّرِ
واري زِنادِ الفكرِ وَقَّاعٍ بِما يُبدي العِيانُ على الخَفِيِّ المُضمَرِ
شِيَمٌ نِظامُ المُلكِ مَخصوصٌ بها دَلَّت على مَلِكٍ كَريمِ العُنصُرِ
إِنَّ العُلا ما بينَ كَفٍّ بَرَّةٍ منهُ ووَجهٍ بالطَّلاقَةِ مُسفِرِ
عَلياؤُهُ ما يُستَطاعُ مَرامُها فلْتُقلِلِ الحُسَّادُ أو فلْتُكثِرِ
سَيفَ الخِلافةِ لا تَزلْ عَضْبَ الشَّبا تَفْري بِحَدَّيكَ الخُطوبَ فتَنفَري
لو بانَ شخصُ المجدِ لم يَكُ في الوَرى إلَّاكَ منهُ عليهِ عَقْدُ الخِنصَرِ
خُلُقٌ أبى إلَّا السَّماحَ سَجيَّةً تَتَغيَّرُ الدُّنيا ولم يَتغَيَّرِ
ولقد سَمِعتُ وما سَمِعتُ بِجائِدٍ في عُسرةٍ يُعطي عطاءَ المُوسِرِ
ما رَوضةٌ غَنَّاءُ أَشراطِيَّةٌ أُنُفٌ يَنُمُّ بها نسيمُ العَبهَرِ
وَلِيَ الحَيا تَدبيجَها فكأنَّهُ واشي رُقومٍ أو مُقوِّمُ أسطُرِ
يَختالُ جَوُّ تِلاعِها ووِهادِها في وارِفٍ واصي النَّباتِ مُنوِّرِ
غَبَقَتهُ سارِيةُ الغَمائِمِ واجْتَلى بالنَّورِ مِن صَوغِ الرَّبيعِ المُبكِرِ
مَعَجَت صَبا نَجدٍ بِها وكأنَّما فَضَّت خِتامَ التَّبَّتِيِّ الأذفَرِ
عَبِقاتُ نَورٍ لم تَخَلْ أَنفاسَهُ إلَّا بَداهةَ نَكهَةٍ مِن عَنبَرِ
كصِفاتِ فخرِ المُلكِ في إنشائِها زَهْرَ الثَّناءِ بِوَبْلِها المُستمطِرِ
أَعَذولَ هذا البحرِ في بَذلِ النَّدى ما العَذلُ إلَّا ضائِعٌ في الأبحُرِ
لَفِّقْ مَلامَكَ أو فذَرْهُ فلم تَكُنْ لِتَسُدَّ أُسْكوبَ الغَمامِ المُغزِرِ
ألِفَ الجِيادَ فما تزالُ جِيادُهُ تَردي إليهِ بكلِّ ذِمْرٍ مُعوِرِ
تُدحَى بأيدي الخيلِ هاماتُ العِدا فَكأنَّهنَّ لَواعِبٌ بالمَيسِرِ
في كلِّ يومٍ يَستُرونَ عَجاجةً قَصُرَت لِحاظُ الطَّيرِ دونَ المِنسَرِ
قد عُوِّدَت رِيَّ الأسِنَّةِ كلَّما شَكَتِ الغَليلَ مِنَ النَّجيعِ المُهدَرِ
صارَت مَشارِعُها مُتونَ سَلاهِبٍ لُحقِ الأَياطِلِ كالسَّعالى ضُمَّرِ
مِن كلِّ يَعْبوبٍ سَما بِتَليلِهِ عُنُقٌ كجِذعٍ مِن أراكٍ مُوبَرِ
مُستَلحِقٍ أُولى الطَّرائِدِ صارِعٍ لِلقِرنِ في قَتَمِ الغُبارِ الأكدَرِ
يَنْثالُ في طلَبِ العدوِّ كما أتى سَندٌ بِمَهْوى سَيلِهِ المُتحدِّرِ
وصَوارِمٍ بُتْرِ المَضارِبِ لم تَقَعْ إلَّا على تَرِبِ الجَبينِ مُعفَّرِ
مِن كلِّ أبيَضَ ناطِقٍ في هامةٍ تَحكي خَطيبًا فوقَ صَهوةِ مِنبَرِ
يَكسو أديمَ الأرضِ صِبغةَ عَنْدَمٍ لَم تَبْدُ إلَّا عن دَمٍ مُثعَنجِرِ
يَبْري أكُفًّا ثُمَّ يُتبِعُ أذرُعًا تَحكي أنابيبَ القَنا المُتكسِّرِ
أَيَظُنُّ جُندُ الشِّركِ عَزمَكَ مُغفِلًا حَزَّ الطُّلى مِنهم وقَطْعَ الأبهَرِ
لَتُساوِرَنَّهمُ بِها مَلمومةٌ بالأُسْدِ تَذأى في قَنًا وسَنَوَّرِ
فلَتَنسِفَنَّهمُ سطاكَ بعاصِفٍ يَجتَثُّ أصلَ المُشرِكينَ بصَرصَرِ
ولَيَجلِبَنَّ ذَوي القَسِيِّ أعَدَّها لِلشِّركِ كلُّ مُباسِلٍ مُتنمِّرِ
يَقذِفنَ في مُهَجِ الطُّغاةِ طَوائِرًا بمِثالِ أجنِحةِ الجَرادِ الطُّيَّرِ
حتَّى تغيبَ حُجولُ خَيلِكَ في الوَغى ممَّا تَخوضُ مِنَ النَّجيعِ الأحمَرِ
تَدبيرُ مُعتَزِمٍ طَلوبٍ ثأرَهُ بِسُيوفِهِ طَلَبَ الهِزَبرِ القَسْوَرِ
يا مُنفِدَ الأموالِ لا مُستَبقيًا لِسِوى مَساعٍ كالنُّجومِ النُّيَّرِ
عَجَبًا لِكَفِّكَ كيفَ لا يَخضَرُّ ما تَحوي عليهِ مِن الأصَمِّ الأسمَرِ
كَشَفَت تَجارِبُكَ الزَّمانَ فعَلَّمَت أهلَ التَّجارِبِ كيفَ حَلْبُ الأشطُرِ
وَدَّعتَ شَهرًا أنتَ في هذا الوَرى بعُلوِّ قَدرِكَ مِثلُهُ في الأشهُرِ
تَقضي فُروضَ الصَّومِ أكرَمَ صائِمٍ وأهَلَّ عيدُ الفِطرِ أكرَمَ مُفطِرِ
لا تَعدَمُ الأعيادُ إن ألْبَستَها ببَقائِكَ المَمدودِ أحسَنَ مَنظَرِ
فإذا سَلِمتَ فكلُّ عيدٍ عِندَنا مُوفٍ على عيدٍ أغَرَّ مُشهَّرِ
دامَت لكَ النَّعماءُ مَوصولٌ بِها توفيقُ مَنصورِ اللِّواءِ مُظفَّرِ
المصدر: خريدة القصر وجريدة العصر، عماد الدين الأصفهاني الكاتب، تحقيق: د.شكري فيصل، المطبعة الهاشمية بدمشق، ج2، ص78.
سمات القصيدة
القراءات: 15 قراءة