Skip to main content

حيتك أعطاف القدود ببانها

حَيَّتكَ أَعطافُ القُدودِ ببانِها لمَّا انْثَنَت تِيهًا على كُثْبانِها
وبما وَقى العُنَّابُ من تُفَّاحِها وبما حَماهُ اللَّاذُ مِن رُمَّانِها
مِن كلِّ رانيةٍ بمُقلةِ جُؤذُرٍ يَبدو لنا هاروتُ مِن أَجفانِها
وافَتكَ حاملةُ الهلالِ بصَعدَةٍ جَعلَت لواحظَها مكانَ سِنانِها
حُوريَّةٌ تَسقيكَ جَنَّةُ ثَغرِها مِن كوثرٍ أَجرَتهُ فوقَ جُمانِها
نزَلَت بوَاديها منازلَ جِلَّقٍ فاسْتوطَنَت في الفِيحِ مِن أَوطانِها
فالقصرِ فالشَّرَفَينِ فالمرجِ الَّذي تحدو محاسنُهُ على اسْتحسانِها
فجِنانِ برْزَتِها فيا طوبى لِمن أَمسى وأصبح ساكنًا بجِنانِها
بحدائقٍ نُظِمَت حُلِيُّ ثِمارِها نظمَ الحُلِيِّ على طُلَى أَغصانِها
فكأَنهنَّ عرائسٌ مَجلُوَّةٌ وكأَنَّها الأَقراطُ في آذانِها
ومَرابعٍ تُهدي إلى سُكَّانِها طِيبًا إذا نَفَحَت على سُكَّانِها
أرجًا لدى الغَدَواتِ تَحسبُ أنَّهُ مِسكٌ إذا وَافاكَ مِن أَردانِها
فالنَّوْرُ تِيجانٌ على هاماتِها والنُّورُ أثوابٌ على أَبدانِها
والوُرْقُ قَيْناتٌ على أَوراقِها تَفتَنُّ بالألحانِ في أَفنانِها
أحنُو إلى الهَضباتِ مِن أنشازِها لا بَلْ إلى الوَهَداتِ مِن غِيطانِها
وأَحِنُّ مِن شوقٍ إلى مَيْطورِها وأهيمُ مِن تَوْقٍ إلى لَوَّانِها
وأبِيتُ مِن وَلَهٍ وفَرْطِ صبابةٍ أَبكيْ على ما فاتَ مِن أزمانِها
أيَّامَ كنتُ بها وكانَت عِيشتَيْ كالرَّوضةِ المَيْثاءِ في إِبَّانِها
والرَّبوةُ الشَّمَّاءِ جَنَّتِيَ الَّتي رضوانُ منسوبٌ إلى رِضوانِها
دارٌ هيَ الفِردَوسُ إِلَّا أنَّها أشهى منَ الفِردوسِ عندَ عِيانِها
لِنُهُودِ بِركتِها قُدودٌ، رَقصُها أبدًا على المَزمومِ مِن أَلحانِها
ومعاطفٌ عَطَفَ النَّسيمُ قِسِيَّها فَهَوَتْ بَنادِقُها على ثُعبانِها
دُحِيَت كُراتُ مياهِها بصَوالِجٍ جالَت فوارسُهُنَّ في مَيدانِها
واعْتدَّ شاذُرْوَانُها بعساكرٍ لَمعَت جَواشِنُها على فُرسانِها
وتَقلَّدَت أجيادُها بقلائدٍ نُثِرَت نَظائِمُهُنَّ فوقَ جِرانِها
وتَضاحَكَت أفواهُها بِمباسمٍ تُرْوِي مَراشِفُها صَدى ظَمآنِها
بمُرَوَّقٍ صافٍ كأنَّ زُلالَهُ مُتَدَفِّقٌ من راحَتَيْ سُلطانِها
سُلطانِها الملكِ ابن أيُّوبَ الَّذي كفَّاهُ لا تَنفَكُّ عَن هَطَلانِها
بِمَواهبٍ لو لَم أكُنْ نُوحًا لَما نُجِّيتُ يومَ نَداهُ مِن طُوفانِها
سَمْحٌ يَروحُ إلى النَّديِّ براحةٍ قد أعشبَ المَعروفُ بينَ بَنانِها
وفتًى إذا زَخَرَت بحارُ نوالِهِ غَرقَت بحارُ الأرضِ في خُلجانِها
غيثٌ يَكُرُّ مِنَ الظُّبى بصواعِقٍ ماءُ الرَّدى يَجري على نيرانِها
بِصوارمٍ أجفانُها قِمَمُ العِدى لا ما كَساها القَينُ مِن أجفانِها
فِضِّيَّةٍ ذَهَبيَّةٍ فلُجَينُها يخَتالُ يومَ الرَّوعِ في عِقيانِها
مُحمرَّةٍ بدمِ الفوارسِ خُضْرُها فالوَردُ منثورٌ على رَيحانِها
مِن كلِّ لامِعةٍ بليلِ قَتامِها كالنَّارِ لامِعةٌ بليلِ دُخانِها
تلكَ السُّيوفُ المُرْهَفاتُ بِكفِّهِ أمضى على الأَيَّام مِن حِدْثانِها
قُضُبٌ إذا اقتَرنَت كواكبُ بَيضِها بِكريهَةٍ كانَت رَدى أقرانِها
مَهزوزَةٌ لِلضَّربِ في يدِ ماجدٍ ضربٌ أطاحَ الرُّوسَ عن أبدانِها
مَلكٌ إذا جُلِيَت عرائسُ مُلكِهِ رَصَعَت فَريدَ العَدلِ في تِيجانِها
وإذا جَحافِلُهُ أَثَرنَ سَحائبًا لَمعَت بُروقُ النَّصرِ في أحضانِها
مِن كلِّ شَهباءِ الحديدِ كأنَّما الْـ أمواجُ مائجةٌ على شُجعانِها
وكَتيبةٍ كم قد كَتَبنَ لها الظُّبى كُتبًا يَلوحُ العِزُّ مِن عُنوانِها
وإذا ذوابلُهُ هُزِزنَ رأَيتَها والموتُ مُشتَمِلٌ على خِرصانِها
مِن كلِّ جاعلةٍ بكلِّ كَريهةٍ رأسَ الفتى رأسًا على جُثمانِها
سمراءُ لا يَثني حَطيمًا صدرُها إلَّا ومِن نَحرٍ فمٌ لِلسانِها
وإذا صواهِلُهُ مَزَعْنَ حسِبتَها ما دقَّ يومَ الرَّوعِ مِن أرسانِها
مِن كلِّ سَلْهَبةٍ أَلحَّ بها الطَّوى حتَّى طواها الضُّمْرُ طيَّ عِنانِها
جَرداءُ تَطَّرِحُ البُروقَ إذا دَنَت وتَفوتُ ما قد فاتَ مِن لَمَعانِها
خَيْلٌ هيَ العِقبانُ في طَيَرانِها لا بل هيَ السِّيْدانُ في عَسَلانِها
فالشُّهْبُ ما حَمَلَتْهُ في أَرماحِها والغُلْبُ ما نَقَلَتهُ في عَدَوانِها
كَم قُدتَّهُنَّ أبا المُظفَّرِ ظافرًا والأُسْدُ صائلةٌ على عِقْبانِها
مُتَواثِباتٍ لِلطِّعانِ، فلا كَبَتْ تلكَ العِتاقُ الجُرْدُ يومَ طِعانِها
عُقِدَتْ سَبائِبُهُنَّ بالهِمَمِ الَّتي أشطانُهُنَّ تَنوبُ عَن أشطانِها
هِمَمٌ رَقَتْ بكَ فارتَقيتَ مِنَ العُلى رُتبًا، مكانُ الشَّمسِ دُونَ مكانِها
أَقسمتُ ما هَدَّمْنَ أركانَ العِدى إلَّا بما شَيَّدتَ مِن أركانِها
فكواكبُ الأفلاكِ مِن خُدَّامِها وعصائبُ الأملاكِ مِن أعوانِها
فلِذاكَ بَهرامٌ إلى بَهْرامِها يُعْزَى، وكِيوانٌ إلى كِيوانِها
فإذا سَلَلتَ سَللتَ بِيضَ حِدادِها وإذا هَززتَ هَززتَ سُمْرَ لِدانِها
فافْخرْ فلو رَوَّعْتَ رُومِيَةً بِها خَرَّتْ كنائسُها على رُهبانِها
أو لو بها صَبَّحتَ قُسطَنطِينَةً خَفَّضتَ ما رَفَعتْهُ مِن صُلبانِها
فانهضْ إلى فَتحِ السَّواحلِ نَهضةً قادتْ لكَ الأعداءَ بعدَ حِرانِها
واسْلَمْ صلاحَ الدِّينِ وابْقَ لِدولةٍ ذَلَّت لِدولَتِها مُلوكُ زَمانِها
خَضعَت لها الشُّجْعانُ عندَ صِيالِها وَعَنَت لها الأقرانُ عندَ قِرانِها
فَلَكَ ابْنَ أَيُّوبِ بنِ شاذيْ مُلكُها الضَّـ ـافي ولِلشَّاني قَذَى شَنَآنِها
ولكَ الَّذي قد سَرَّ مِن أفراحِها ولهُ الَّذي قد ساءَ مِن أحزانِها
فاسْعَدْ بها يا أيُّها الملِكُ الَّذي دَانَت لَديْهِ على جلالَةِ شانِها
واستَجْلِ مِن مِدَحِي الحِسانِ خَريدةً حَسَّانُ مُفتَقرٌ إلى حُسَّانِها
وافَتكَ تَرفُلُ في ثيابِ بَهائِها وإِبائِها وحَيائِها وصِيانِها
كالكاعِبِ العذراءِ حينَ تَبَختَرَت في دُرِّها المَنظومِ أو مَرجانِها
وأَتَتْكَ تَنشرُ ما طَواه حَسُودُها مِن فَضلِها وسَدادِها وبَيانِها
في دارِ عَدلٍ مُذْ طَلَعتَ بأُفْقِها بدرًا جَلَوْتَ الظُّلْمَ عن سُكَّانِها
فبَقِيتَ مُعتَصِبًا بتاج بَهائِها في دَستِ مَجلسِها وفي إِيوانِها
ما أصبَحَت أيدي الرَّعيَّةِ تَجتَني عَفوًا ثِمارَ الأَمنِ مِن بُستانِها
" أنشد هذه القصيدة في عاشر شعبان سنة إحدى وسبعين وخمسمئة"

المصدر: «خريدة القصر وجريدة العصر - قسم شعراء الشام - تح: د. شكري فيصل – المطبعة الهاشمية بدمشق 1375هـ - 1955م» (ج1ص 406 -411)

سمات القصيدة
القراءات: 17 قراءة