Skip to main content

لقد أوسع الله الفتوح بعامنا

عبد المنعم الجلياني

العصر الأيوبي

لقد أَوسَعَ اللهُ الفُتوحَ بِعامِنا وخيَّسَ مِنها المُصعَبَ المُتَأبَّدا
أمورٌ نبَت عنها العقولُ وأَذعنَت بأنَّ اختَصاصَ الحظِّ للهِ مُوجَدا
تحرَّكَ شخصٌ حرَّكَ الأرضَ جائِلًا وهَزَّ مِن الشُّهْبِ الذَّوائِبَ مُصعِدا
ولقَّبهُ بالنَّاصرِ الملْكِ يُوسفٍ ونقَّبَهُ نورُ المَهابةِ سَيِّدا
وألهَمَهُ حُسنى الشَّمائلِ مُجْمَلًا وفهَّمَهُ أسنى الفضائلِ مُحْمَدا
يزيدُ على عُظْمِ المَرامِ تواضُعًا ويدْنُو على بُعدِ المَقامِ توَدُّدا
أتَتهُ وفودُ الخافِقينِ فَعايَنوا حُلى مالِكٍ قد أطلَعَ البدرَ فَرقَدا
يُنوِّعُ أثناءَ النَّهارِ سياسةً ويَقطَعُ آناءَ الدُّجى مُتهجِّدا
ويرمُقُ أحوالَ المدائِنِ حافِظًا ويُنفِقُ أموالَ الخزائِنِ مُنفِدا
أَحاطَ بمُلْكِ الأرضِ خُبْرًا وقوَّةً وحاطَ ضُروبَ الخلْقِ خيرًا ومَرفَدا
فوفَّى بفضلٍ مِن قضاياهُ مُتْرَعًا وأصفى لكُلٍّ مِن عَطاياهُ مَورِدا
وأَروَت نُفوسَ السَّائِلينَ بَنانُهُ فلمْ أَدْرِ بحرًا مُدَّ للنَّاسِ أم يَدا
سقا بحُسامٍ واستَرَقَّ بأنْعُمٍ وما المجدُ إلَّا في الشَّجاعةِ والنَّدى
فنمدَحُهُ حُبًّا ويُعطِي تبرُّعًا فيُعجِزُنا شُكرًا ويَشْأى مُحَمَّدا
رأيتُ عُلاهُ ما لها حَلْيُ مِثلها بدائعَ نظمٍ وامتِداحًا مُخَلَّدا
فقَلَّدْتُهُ سِلكًا عزيزًا وُجودُهُ كما لم نجِدْ مَلْكًا يُضاهي المُقَلَّدا
لذا فليَكُنْ صوغُ القَريضِ مُسَمِّطًا تفاصيلَ إعجازٍ ووَشيًا مُنجَّدا
ولفظًا كما تُجلَى الدَّرارِيُّ تحتَهُ مَعانٍ كما تَرمِي الأشِعَّةُ أنْجُدا
قرائِنَ أحوالٍ ومَعلَمَ سِيرةٍ وحِكمةَ أمثالٍ وعِلمًا مُنضَّدا
إِذا الشِّعرُ لم يحكِ العُلومَ فَقَد حكى جَعاجِعَ أَصواتٍ ولَغوًا مُفَنَّدا
ولولا اصْطِناعُ الحُلمِ لم يكُ باقِلٌ ليُحضِرَ في مَيدانِ سَحبانَ مُنشِدا
لأوجُهِ أربابِ السَّماحِ طَلاوةٌ تُعلِّمُ طُلَّابَ النَّجاحِ التَّردُّدا
وقيمةُ قَدْرِ الشَّيءِ قيمةُ ذِكرِهِ كما راقَ وصفًا لي وصِيتًا مُنَدَّدا
وهذا مَليكٌ أمْرُهُ غَيثُ عَصرِهِ فسيرتُهُ تَبقى حَيًا مُتورِّدا
فيُسقَى بها الظَّمآنُ للعِلمِ مُسنِتًا ويَرقَى لها الدَّيَّانُ في الحُكمِ مُسنَدا
ينالُ الفتى بالصَّبرِ مَقسومَ حَظِّهِ وكم جاهِدٍ في الحرصِ ما نالَ مَقصَدا
عجِبتُ مِنَ الأيَّامِ تَطمِي كمائِنًا إذا انْتثرَت أعيَت نجيبًا ومُنجِدا
وكنتُ أرى ذا الفتْحِ مِن قَسْمِ يوسُفٍ فللهِ ذاكَ القَسْمُ ما كانَ أَسعَدا
وللهِ يومٌ هَلَّ فيهِ وِلادةٌ لقد طابَ مَولودًا وبورِكَ مَولِدا
كفى مَطْهَرًا مَن طهَّرَ القُدسَ واحتَوى بني أصفرٍ سَبْيًا وقتلًا تَعمُّدا
هو المسجِدُ الأقصى وهُم شَوكةُ الوغى فما كانَ لولا اللهُ يَخلُصُ مَعبَدا
هنيئًا لبيتِ المقدسِ الآنَ طُهرُهُ وللنَّاصِرِ المَنصورِ غِبطتُهُ غَدا
فيا خيرَ ممْدوحٍ وأطهرَ مُجتَبًى وأسعدَ مَمنوحٍ وأبْهرَ مُجْتَدى
مديحُكَ أحلى في فمي مِن جنا المُنى ومِن طعْمِ بَرْدِ الماءِ عَذبًا على الصَّدى
وأشهى سماعًا مِن حديثِ حبائِبٍ يُذكِّرُها عَهدَ الصَّبا مُتجدِّدا
أسامِرُ فيكَ الشِّعرَ مُستمتِعًا بِهِ فأبسُطُهُ بسطَ الخَميلةِ في النَّدى
أودُّ لوَ انَّ البَيتَ ألفُ قصيدةٍ وكلَّ قصيدٍ ألفُ حِزبٍ تَردَّدا
وكيفَ اقتِصادٌ في مدائحِ يوسُفٍ وقد بذَّ غاياتِ السَّوابِقِ في المَدى
سَرى وهْو نورٌ قاهِرٌ بلَطافةٍ وحَلَّ بنا صوتُ العُلا فتجسَّدا
ولو لمْ يَلُحْ للنَّاسِ ما علِموا فتًى سَما كلَّ عالٍ وهْو يَرتادُ مُصعِدا
فكلُّ ابتِداءٍ في معاليهِ مُنتهًى وكلُّ انتِهاءٍ في معاليهِ مُبتَدا
المصدر: ديوان المبشرات والقدسيات، عبد المنعم الجليانيّ، جمع وتحقيق ودراسة الدكتور عبد الجليل حسن عبد المهدي، الناشر: وزارة الثقافة الفلسطينية 2009م. ص142-144
سمات القصيدة
القراءات: 15 قراءة