Skip to main content

لقد سمح الدهر بالمقترح

ابن الفراش الدمشقي

العصر الأيوبي

لقد سَمحَ الدَّهرُ بالمُقْتَرحْ وكانَ السُّكوتُ تمامَ الفرَحْ
وما زالَ إِنشادُكَ الشِّعرَ لي يَمُرُّ بِسمعيَ حتَّى انْقرَحْ
ونَغَّصتَ عَيْشي بتِردادِهِ وأَفسدتَ مِن حَالتي ما اصْطلَحْ
فلا خيرَ في نظمِ هذا القَريضِ ولا في تَغزُّلِهِ والمِدَحْ
لَحا اللهُ قلبًا يُحبُّ المِلاحَ ولثْمَ الأَقاحِي ورَشْفَ القَدَحْ
ويَهتَزُّ عندَ اهتزازِ الغُصونِ ويُعجبُهُ ظَبْيُ سِرْبٍ سَرَحْ
وتُطرِبُهُ رَوْضةُ العارِضيْنَ وما في شَمائِلها مِن مُلَحْ
لئِنْ سَرَّكُمْ حُسنُ وَجهِ الحبيبِ فما ذاكَ عنديَ إِلَّا تَرَحْ
وللهِ دَرُّ عجوزٍ تَروقُ لِطرفِ الحكيمِ إِذا ما لَمحْ
ويُعْجِبُهُ صِبْغُ حِنَّائِها وما بينَ أَسنانِها مِن قَلَحْ
لها رَحِمٌ مثلُ حبلِ العِقالِ إِذا ما دنوتَ إِليهِ رَشَحْ
وإِن حَرَّكَتهُ ذُكورُ الرِّجالِ تخيَّلتَ ذاكَ كنيفًا فُتِحْ
فهذي مَقالةُ هذا الحكيمِ ولا خَيْرَ فيمَن إِليها جَنَحْ
فَدَعْ قولَهُ واختصرْ صورةً كأَنَّ الجمالَ لها قد شَرحْ
إِذا ما اسْتدارَت نِطاقُ الخُصورِ وماسَت قُدودٌ بزَهْوِ المِدَحْ
فكم مِن غريقٍ بماءِ الجفونِ وكم مِن زِنادِ فُؤادٍ قَدَحْ
أَدِرْها وروِّ بها حائِمًا ودارِكْ بَقيَّةَ عُمرٍ نَزَحْ
ولا تَجعلِ المَزجَ إِلَّا الرُّضابَ وواصلْ غَبوقكَ بالمُصْطَبَحْ
أَطِعْ في حَبيبكَ غِشَّ الهوى وعاصِ العذولَ إِذا ما نَصحْ
ولُذْ بِضَلالِكَ قبلَ الهُدى وبادِرْ ظلامَكَ قبلَ الوَضَحْ
ودَعْ عنكَ وَضْعَ شِباكِ المُحالِ ونَصْبَ الفِخاخِ وعَدَّ السُّبَحْ
ولا تُغلِقَنَّ بحمْلِ الهمو مِ بابَ السُّرورِ إِذا ما انْفتَحْ
وإِن خِفتَ مِن عاتبٍ فاسْتترْ بليلِ الشَّبابِ إِذا ما جَنَحْ
فتَبًّا لِدهرٍ يُعِزُّ اللِّئامَ وقدْرُ الكِرامِ بهِ مُطَّرَحْ
ذَلولٍ إِذا ما امْتَطاهُ الجهولُ وما رامَهُ الحُرُّ إِلا جَمحْ
لقد شاهَ في النَّاسِ وجهُ القَريضِ ولم يَبقَ في دهرِنا مُمتدَحْ
وقد طُمِسَت أَوجهُ المَكْرُماتِ وقد عُطِّلَت هُجْنُها والصُّرُحْ
ولا خيرَ فيمَن غَدا طائِعًا لِلؤمٍ أَلَمَّ وبُخْلٍ أَلَحْ
إِذا بهرجَتهُ عُقولُ الرِّجالِ وأَخجلَهُ النُّقْصُ لمَّا افْتضَحْ
لَئِن قَصَّرَت خُطوةُ الحظِّ بي فماليَ عنْ هِمَّتي مُنتَزَحْ
وإِن عَدَّ مُفْتخِرٌ فَضلَهُ فبي يُخْتَمُ الفَضلُ بل يُفْتَتَحْ
وكمْ لِلفضائلِ مِن خَاطبٍ وما كلُّ خَاطبِ بِكرٍ نَكَحْ
المصدر: خريدة القصر وجريدة العصر، الجزء الأول، العماد الأصفهاني، المجمع العلمي بدمشق،1955م، ص292-294
سمات القصيدة
القراءات: 17 قراءة