مدح الوليد بن عبد الملك بن مروان
أتعرِفُ الدَّارَ أمْ لا تعرِفُ الطَّلَلا بلى فَهيَّجَتِ الأحزانَ والوَجَلا
وقد أرانيْ بها في عيشَةٍ عَجَبٍ والدَّهرُ بَيْنا لَهُ حالٌ إِذِ انْفَتَلا
أَلْهوْ بِواضِحَةِ الخَدَّينِ طَيَّبَةٍ بعدَ المَنامِ إِذا ما سَرَّها ابْتَذَلا
ليستْ تزالُ إليها نفسُ صاحِبِها ظَمْأى فُلُوٍّ رأى من قلبِهِ الغَلَلا
كشاربِ الخَمرِ لا تُشْفى لذاذَتُهُ ولو يُطالِعُ حتَّى يُكثِرَ العَلَلا
حتَّى تَصرَّمَ لذَّاتُ الشَّبابِ وما مِنَ الحياةِ بذا الدَّهرِ الذي نَسَلا
وراعَهُنَّ بِوَجهي بعدَ جِدَّتِهِ شَيبٌ تَفَشَّغَ في الصُّدغَينِ فَاشتَعَلا
وسارَ غَرْبُ شَبابي بعدَ جِدَّتِهِ كأنَّما كانَ ضَيفًا خَفَّ فَارتَحَلا
وكم ترى مِن قوِيٍّ فَكَّ قُوَّتَهُ طولُ الزَّمانِ وَسَيفًا صارِمًا نَجَلا
إنَّ ابْنَ آدمَ يرجو ما وراءَ غَدٍ ودونَ ذلكَ غُولٌ تَعتَقي الأَمَلا
لو كانَ يُعتِقُ حَيًّا عَن مَنِيَّتِهِ تَحَرُّزٌ وَحِذارٌ أَحرَزَ الوَعِلا
اَلأعصمَ الصَّدَعَ الوحشِيَّ في شَعَفٍ دُونَ السَّماءِ نِيافٍ يَفرَعُ الجَبَلا
أو طائِرًا مِن عِتاقِ الطَّيرِ مسكَنُهُ مصاعِبُ الأرضِ والأشرافِ مُذْ عَقَلا
يَكادُ يَطلعُ صُعْدًا غَيرَ مُكتَرِثٍ إِلى السَّماءِ وَلَولا بُعدُها فَعَلا
ولَيسَ يَنزِلُ إِلَّا فَوقَ شاهِقَةٍ جُنحَ الظَّلامِ وَلَولا اللَّيلُ ما نَزَلا
فذاكَ مِن أجدَرِ الأَشياءِ لو وَأَلَتْ نَفْسٌ مِنَ المَوتِ والآفاتِ أنْ يَئِلا
فَصَرِّمِ الهَمَّ إِذ وَلَّى بِناجِيَةٍ عَيرانَةٍ لا تَشَكَّى الأَصْرَ وَالعَمَلا
مِنَ اللَّواتي إِذا استَقبَلْنَ مَهمَهَةً نَجَّيْنَ مِن هَولِها الرُّكبانَ وَالثَّقَلا
مَن فَرَّها يَرَها مِن جانِبٍ سَدَسًا وَجانِبٍ نابُها لم يَعْدُ أَن بَزَلا
حَرْفٌ تَشَذَّرُ عَن رَيَّانَ مُغْتَمِسٍ مُستَحقِبٍ رَزَأَتْهُ رَحْمُها الجَمَلا
أَوْكَتْ عَلَيهِ مَضِيقًا مِن عَواهِنِها كَما تَضَمَّنَ كَشْحُ الحُرَّةِ الحَبَلا
كَأَنَّها وَهْيَ تَحتَ الرَّحلِ لاهِيَةٌ إِذا المَطِيُّ عَلى أَنقابِهِ ذَمَلا
جُونِيَّةٌ مِن قَطا الصَّوَّانِ مَسكنُها جَفاجِفٌ تُنْبِتُ القَفْعاءَ وَالبَقَلا
باضَتْ بِحَزمِ سُبَيعٍ أو بِمَرْفَضِهِ ذي الشِّيْحِ حيثُ تَلاقى التَّلْعُ فَانْسَجَلا
يَأذى فينفُضُ نَفضَ الغِرِّ فَروَتَهُ عن صَفحَتَيهِ وَضاحي مَتنِهِ البَلَلا
يَبِيْتُ يَحفُر وَجهَ الأَرضِ مُجتَنِحًا إذا اطْمأنَّ قليلًا قامَ فانْتَقَلا
تحسَّرَت عِقَّةٌ عنهُ فأنْسَلَها واجْتابَ أُخرى جَدِيدًا بَعدَما ابْتَقَلا
كأنَّها بينَ ظَهْرانِيْ دُجُنَّتِهِ حَرٌّ تَبذَّلَ بعدَ الكِنِّ فاعْتَمَلا
لقد مَدحْتُ رِجالًا صالِحينَ فَأَمَّــا أنْ ينالوا كَما نالَ الوَليدُ فَلا
هوَ الفتى كُلُّهُ مَجدًا ومكرمةً وكُلُّ أخلاقِهِ الخَيراتِ قد كمَلا
فتى الرَّبِيَّةِ يُسْتَسقى الغَمامُ بِهِ كالبدرِ وافَقَ نِصفَ الشَّهرِ فاعْتَدَلا
يدعو إِلَيهِ بُغاةُ الخَيرِ نائِلَهُ إذا تجهَّزَ مِنهُ نائِلٌ قَفَلا
فَجِئتُهُ أبتَغي ما يَطلُبونَ وَما الْـ ـمُستَورِدُ البَحرَ كالمُستَورَدِ الوَشَلا
غَيثٌ خَصيبٌ وعِزٌّ يُستَغاثُ بهِ إذا أتاهُ طَريدٌ خائِفٌ وَأَلا
لا يَجْتَويهِ وإنْ طالَت إِقامَتُهُ أهلُ المكانِ ولا الأرضُ التي نَزَلا
المصدر:(ديوان شعر عَدِيّ بن الرِّقاع العاملي / تح: د. نوري حمود القيسي ود. حاتم صالح الضامن- مطبعة المجمع العلمي بالعراق 1987م/ 1407هـ)





سمات القصيدة

