مسك الختام
إن كانَ بعضُ الشعرِ غيرَ سديدِ خُذْ من حديثِ النَّفسِ كلَّ مُفيدِ
فالنَّفسُ سِرٌّ لم ينلْ إدراكَهُ مُسترشدٌ إلَّا بفكِّ قيودِ
فكأنَّهُ يعلو على مَتنِ الرِّيا حِ بِنفحةٍ مَقرونةٍ بخُلودِ
حَجَبَتْهُ عن عينِ البصيرِ كثافةٌ من عُنصرِ الأعراضِ ذاتُ سدودِ
مَن لِلَّبيبِ بأن يُبدِّدَ ما يَطو فُ حَوالَهُ مِن عاملِ التَّشريدِ
فيَغُضَّ طرفًا عن مناظرِ عالَمٍ يلْهو بهِ اللَّاهونَ بالتَّقليدِ
ويَصُدَّ سمعًا عن حديثِ مطامعٍ ومظالمٍ وخيانةٍ وحُقودِ
فيرى تفاهاتِ الحياةِ ولَهوَها كابوسَ سكرانٍ بخمرِ قُرودِ
تتكشَّفُ الدُّنيا لهُ عن صورةٍ مَعبودُها طمعٌ بغيرِ حدودِ
ويرى أتمَّ هِدايةٍ في خَلوةٍ معَ نفسِهِ تُوليهِ كلَّ سُعودِ
مُتجرِّدًا مِن ثِقْلِ أَرضِيَّاتِها مُتباعِدًا عن مَجمعٍ مَنكودِ
فيرى بعينِ العقلِ أغربَ مَنظرٍ لِحضُورِها فيهِ حضورَ عميدِ
إذ إنَّها تَبدو لهُ بمظاهرٍ ما بعدَها مِن واضحٍ لِمُريدِ
ويرى بعينِ النَّفسِ أبدعَ ما إلى إِدراكِهِ يصبُو فؤادُ رشيدِ
لا ينتهي إعجابُهُ مِن غِبطةٍ بمواقفٍ ليست منَ المَعهودِ
حتَّى يُناجي نفسَهُ بسعادةٍ فوقَ الَّتي قد حازَها بِصُعودِ
وكأنَّما النَّفسُ النَّفيسةُ عُرِّيتْ فصفَتْ صفاءَ الجوهرِ المَنقودِ
فرأى بأُلفَتِها عجائبَ لم تَدُرْ في وَهمِهِ كحقيقةِ المشهودِ
وأصابَ لَذَّاتٍ أتَتْ عن صَفوَةِ الْـ أفكارِ مِن كَدَرٍ ومِن تَعقيدِ
وكأنَّ أُلْفَتَهُ لها ماءٌ غدا مُتمازِجًا مِسكِيَّةَ العُنقودِ
لا لذَّةٌ في الكونِ تَحكِيها وإنْ لم تَقترِنْ أفعالُها بشهودِ
بل لو بدا ريبٌ لهُ بِوُجودِها فالرَّيبُ يَدفَعُ حُجَّةَ التَّفنيدِ
هل تَستوي عندَ القضاءِ شهادةُ الـ ـمَحسوسِ مثلَ شهادةِ المَجحودِ
فكأنَّها نجمٌ بأقصى شَعرةٍ ناداكَ مُضطربًا بقولِ مُجيدِ
إن أنتَ لم تفكُرْ بِجِدٍّ أنَّني في الكونِ موجودًا عَدِمْتُ وجودي
ولَكَمْ عظائمَ لم تكُنْ لو لم أكُنْ حَدَّثتُ عنها النَّفسَ في مَجهودي
المصدر: «مختارات من نظم قسطاكي الحمصي الحلبي – تأليف: قسطاكي الحمصي – المطبعة المارونية بحلب – 1939م» الصفحة 151 -152 – 153 تموز 1939م





سمات القصيدة

