Skip to main content

موعظة للخليفة عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه

سابق البربري

العصر الأموي

باسمِ الَّذي أُنزِلتْ مِن عِندِه السُّوَرُ والحَمدُ للَّهِ أمَّا بَعدُ يا عُمَرُ
إنْ كُنتَ تَعلمُ ما تأتي وما تَذَرُ فكُنْ على حذرٍ قد يَنفَعُ الحَذَرُ
واصْبِرْ على القَدَرِ المَجلُوبِ وارْضَ بهِ وإنْ أتاكَ بما لا تشتهي القَدَرُ
فما صفا لِامْرِئٍ عَيشٌ يُسَرُّ بهِ إلَّا سيتبَعُ يومًا صفوَهُ كَدَرُ
واسْتخبِرِ النَّاسَ عمَّا أنتَ جاهِلُهُ إذا عَمِيتَ فقد يَجلوْ العمى الخَبَرُ
قد يرعَوِي المرْءُ يومًا بعدَ هَفوَتِهِ وتحكُمُ الجاهلَ الأيَّامُ والعِبَرُ
إنَّ التُّقى خيرُ زادٍ أنتَ حاملُهُ والبِرَّ أفضلُ شيءٍ نالَهُ بشرُ
مَنْ يَطلُبِ الجَورَ لا يَظفَرْ بحاجَتِهِ وطالبُ الحقِّ قد يُهدَى له الظَّفَرُ
وفي الهُدى عِبَرٌ تَشفَى القلوبُ بها كالغيثِ ينضُرُ عن وَسْمِيِّه الشَّجَرُ
وليس ذُو العلمِ بالتَّقوى كجاهِلِها ولا البصيرُ كأعمى ما لهُ بَصَرُ
والرُّشدُ نافِلةٌ تُهدى لِصاحِبِها والغَيُّ يُكْرَه منه الوِرْدُ والصَّدَرُ
قد يُوبِقُ المرْءَ أمرٌ وهْوَ يَحقِرُهُ والشَّيءُ يا نَفسُ يَنمَى وهْوَ يُحتَقَرُ
ورُبَّما جاءَني ما لا أُؤَمِّلُهُ وربَّما فاتَ مأمولٌ ومُنتَظَرُ
لا يُشبِعُ النَّفسَ شيءٌ حينَ تُحرِزُهُ ولا يزالُ لها في غَيرِهِ وَطَرُ
ولا تزالُ وإنْ كَانتْ لها سَعَةٌ لها إلى الشَّيءِ لمْ تَظفَرْ بهِ نَظَرُ
وكلُّ شيءٍ لهُ حالٌ يُغيِّرُهُ كما تُغَيِّرُ لونَ اللِّمَّةِ الغِيَرُ
والذِّكرُ فيهِ حياةٌ لِلقُلُوبِ كما يُحيِي البلادَ إذا ما ماتَتِ المَطَرُ
والعلمُ يَجْلُو العمى عن قلبِ صاحبِهِ كما يُجلِّيْ سوادَ الظُّلمةِ القَمَرُ
لا ينفعُ الذِّكرُ قلبًا قاسِيًا أبدًا وهل يَلينُ لِقولِ الواعظِ الحَجَرُ
والموتُ جسرٌ لِمنْ يمشي على قَدَم إلى الأمورِ الَّتي تُخشى وتُنتَظَرُ
فهُمْ يَمُرُّونَ أفواجًا وتَجمَعُهُمْ دارٌ إليها يَصيرُ البَدْوُ والحَضَرُ
من كانَ في مَعقِلٍ لِلحِزْرِ أسلَمَهُ أو كانَ في خَمَرٍ لم يُنجِهِ خَمَرُ
حتَّى متى أنا في الدُّنيا أخو كَلَفٍ في الخدِّ مني إلى لَذَّاتِها صَعَرُ
ولا أرى أثرًا للذِّكرِ في جسدي والماءُ في الحَجَرِ القاسي لَهُ أثَرُ
لو كانَ يُسهِرُ عينِي ذِكرُ آخِرَتِي كما يُؤرِّقُني لِلعاجِلِ السَّهَرُ
إذن لَداوَيتُ قلبًا قد أضَرَّ بِهِ طُولُ السَّقَامِ ووَهْنُ العَظمِ يَنجَبِرُ
ما يلبَثُ الشَّيءُ أن يَبلى إذا اخْتلفَتْ يومًا على نَقْضِه الرَّوْحَاتُ والبُكَرُ
والمرءُ يَصعدُ ريعانُ الشَّبَابِ بهِ وكلُّ مُصْعِدَةٍ يومًا ستَنحَدِرُ
وكلُّ بيتٍ خرابٌ بعدَ جِدَّتِهِ ومِن وراءِ الشَّبابِ الموتُ والكِبَرُ
بينا يُرى الغُصنُ لَدْنًا في أَرُومَتِهِ رَيَّانَ أضحَى حُطامًا جَوفُهُ نَخِرُ
كم مِن جَمِيعٍ أَشَتَّ الدَّهرُ شَملَهُمُ وكلُّ شيءٍ جميعٍ سوفَ يَنتَثِرُ
ورُبَّ أصْيَدَ سامي الطَّرْفِ مُعتَصِبٍ بالتَّاجِ نِيرَانُهُ لِلحربِ تَستَعِرُ
يظلُّ يفترشُ الدِّيباجَ مُحتَجِبًا عليه تُبنى قِبَابُ المُلْكِ والحُجَرُ
قد غادرتْهُ المنايا وهْوَ مُستَلَبٌ مُجَدَّلٌ تَرِبُ الخدَّينِ مُنعَفِرُ
أبَعدَ آدمَ ترجُونَ البقاءَ وهلْ تبقى فروعٌ لِأَصلٍ حينَ يَنعَقِرُ
لهُمْ بيوتٌ بِمُستَنِّ السُّيولِ وهلْ يبقى على الماءِ بَيتٌ أُسُّهُ مَدَرُ
إلى الفناءِ وإنْ طالتْ سَلامَتُهُمْ مصيرُ كلِّ بَني أُنثَى وإنْ كَثُرُوا
إنَّ الأمورَ إذا اسْتَقبلتَها اشْتَبَهَتْ وفي تَدَبُّرِها التِّبيانُ والعِبَرُ
والمرءُ ما عاشَ في الدُّنيا لهُ أملٌ إذا انْقَضى سَفَرٌ مِنهُ أتى سَفَرُ
لها حلاوةُ عيشٍ غَيرُ دائمةٍ وفي العواقبِ منها المُرُّ والصَّبِرُ
إذا انْقضتْ زُمَرٌ آجالُها نَزَلتْ على منازلِها مِن بعدِها زُمَرُ
وليس يَزجُرُكم ما تُوعَظُونَ بِهِ والبَهْمُ يَزجُرها الرَّاعِيْ فَتَنزَجِرُ
أصبَحْتُمُ جَزَرًا لِلموتِ يَقبِضُكمْ كما البَهَائمُ في الدُّنيا لها جَزَرُ
لا تَبطَروا واهْجُروا الدُّنيا فإنَّ لها غِبًّا وَخِيمًا وكُفرُ النِّعمةِ البَطَرُ
ثم اقْتَدُوا بالأُلى كانوا لكُمْ غُرَرًا وليسَ مِن أُمَّةٍ إلَّا لها غُرَرُ
حتَّى تكونوا على مِنهاجِ أوَّلِكُمْ وتصبِروا عن هوى الدُّنيا كما صَبَروا
ما لي أرى النَّاسَ والدُّنيا مُوَلِّيَةٌ وكلُّ حَبلٍ عليها سوفَ يَنبَتِرُ
لا يَشعُرونَ بما في دِينهِمْ نَقَصُوا جهلًا وإنْ نَقَصتْ دنياهُمُ شَعَرُوا
مَنْ عاشَ أدركَ في الأعداءِ بُغيَتَهُ ومَنْ يَمُتْ فلهُ الأيَّامُ تَنتَصِرُ
المصدر: (شعر سابق البربري – تح: بدر ضيف –دار الوفاء – الإسكندرية – الطبعة الأولى 2004)
القصيدة 24 ص 109 - 110
سمات القصيدة
القراءات: 16 قراءة