Skip to main content

نجوى قبرة

محمد المجذوب

العصر الحديث

حنانَكِ لا تخشي أذايَ ولا ضُرِّي فما أنا ذو نابٍ ولا أنا ذو ظُفْرِ
حنانَكِ، لا يَخفقْ جناحاكِ رَهبةً ولا ترمِني عيناكِ بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
أحِذْرًا وفي جَنبيَّ، يا طيرُ، لِلورى ولِلطَّيرِ دُنيا مِن رُؤى الحُبِّ والشِّعرِ!
أراعَكِ هذا الحِملُ يَنآدُ تحتَهُ مَطايَ فلا يَنفكُّ يُنجِدُهُ صَبري
وخطوٌ يُثيرُ الأرضَ لولا نَداوةٌ ذَرَتها على مَيْتِ الثَّرى أدمعُ القَطْرِ
وسَوْرَةُ أنفاسٍ يَكادُ زَفيرُها يَسيلُ شَعاعًا في لَوافحِهِ سَحْري
فلملمتِ أطرافَ الجَناحِ تَحفُّزًا وأمسكتِ خوفَ الغائلاتِ عنِ النَّقْرِ
وقلتِ، وقد أسرفتِ: باغٍ مِنَ الورى أخو شَرَكٍ يَطوي الضُّلوعَ على مَكْرِ
حنانَكِ.. بعضُ الظَّنِ إثمٌ فما أنا ودُنيا الورى إلَّا الغريبُ معَ السَّفْرِ
حنانَكِ.. لستُ المرءَ يَطلبُ يُسْرَه بآلامِ مخلوقٍ سواهُ على عُسري
سَلِيْ خَفَقاتِ النَّجمِ في لُجَّةِ الدُّجى وعربدةَ الأسحارِ في يَقظةِ الفَجْرِ
سلي عَرْفَ هاتيكَ الأزاهيرِ في الرُّبا وهينمةَ الصَّفصافِ في عُدوةِ النَّهْرِ
سلي الواديَ النَّشوانَ بالعِطرِ والنَّدى يُطِـلُّ عليهِ السَّفحُ بالحُلَلِ النُّضْرِ
سليها فمِن قلبي على كُلِّ نفحةٍ بها أثرٌ يَروي المُكتَّمَ مِن سِرِّي
سلي عن أغانيَّ الحياةَ فلم يزلْ بمِسمَعِها رَجْعٌ مِنَ النَغَم البِكْرِ
لَئِن أخفتَتْها قَسوةُ الدَّهرِ فَترةً لَفي النَّفْسِ لحنٌ عَزَّ عن قَسوةِ الدَّهْرِ
فقد يَخرُسُ الطَّيرُ الحبيسُ ومِلْؤُهُ حنينٌ يَهُزُّ الرُّوحَ لِلأفُقِ الحُرِّ
وددتُ لَوَ انِّي جارُك العُمْرَ كُلَّهُ أذودُ بِنَفْسي عنكِ عاديةَ الغدْرِ
تضوءُ عَشيَّاتي بِرَيَّاكِ فِتنةً وتُسكرُني نَجواكِ في البُكَرِ الخُضْرِ
ويَسبقُني في الحقلِ ظِلُّكِ عابثًا فأقفِزُ فوقَ الشَّوكِ في إثْرِهِ أجري
وأنعَمُ تحتَ العُشِّ في حِضْنِ مَضجعٍ يَسيلُ عليهِ الطَّلُّ مِن أكؤُسِ الزَّهْرِ
فِراشيَ فيهِ العشبُ غَضًّا مُمَهَّدًا وثيرًا، ولكنَّ الوِسادَ مِنَ الصَّخرِ
ومِن ورَقِ الدِّفْلى عليَّ غِلالةٌ تقي جسميَ العاري أذى البردِ والحَرِّ
مُنًى مِن تَهاويلِ الخَيالاتِ حاكَها صَناعٌ مِنَ الوهمِ المُجنَّحِ في صدري
حَلَمتُ بها في غَفوةِ الخطبِ برهةً فلمَّا صَحا جَفَّت رُؤايَ مِنَ الذُّعرِ
وهمتُ بذِكراها وقد حالَ بينَنا غَياهبُ مِن ليلِ الحقيقةِ والفِكْرِ
أعدتِ إلى القلبِ المُحطَّمِ طيفَها جديدًا فعادَ السِّحرُ في دَمِهِ يَسري
وأَنسيتِه أوجاعَ دُنيا هوَت بِها زَعازِعُ تَذرو الموتَ في البَرِّ والبَحرِ
طغا في مَغانيها الدَّمارُ وصَوَّحَت مفاتِنَها ـ رغمَ النُّهى ـ شهوةُ الشَّرِّ
فخَلِّي جُفوني المُغْمَضاتِ تضُمُّها قليلًا وخَلِّي الطيفَ يَلمسُهُ ثَغري
ولا تُفسدي بالشَّكِّ نشوةَ حُلمِنا فما هيَ إلَّا فترةٌ ثُمَّ.. لا ندري!
المصدر: همسات قلب؛ مختارات مِن شعر محمَّد المجذوب، الطبعة الأولى 1390هـ ـ 1970م، الصفحة:335.
سمات القصيدة
القراءات: 17 قراءة