Skip to main content

قلبي بذكرك مسرور ومحزون

ابن عربي

العصر الأيوبي

قلبي بذكرِكَ مسرورٌ ومحزونُ لمَّا تملَّكَهُ لَمحٌ وتَلوينُ
فلو رَقَت في سماءِ الكَشْفِ همَّتُهُ لَما تَملَّكَهُ وَجدٌ وتكوينُ
لكنَّهُ حاد عن قصدِ السَّبيلِ فلم يَظفَرْ بهِ فهْو بينَ الخَلقِ مِسكينُ
حتَّى دعَتهُ مِن الأشواقِ داعيةٌ هَمَت لها نحوَ قلبي سُحْبُه الجُونُ
وأبرقَت في نواحي الجوِّ بارِقةٌ أضحى بها وهْو مغبوطٌ ومفتونُ
والسُّحْبُ سارِيةٌ والرِّيح ذارِيةٌ والبرقُ مُختطِفٌ والماءُ مسنونُ
وأخرجَت كلَّ ما تَحويه مِن حبسٍ أرضُ الجُسومِ وفاح الهندُ والصِّينُ
فما ترى فوق أرضِ الجِسمِ مَرقَبةً إلَّا وفيها مِن النُّوَّار تَزيينُ
وكلُّ ما لاحَ في الأجسامِ مِن بِدَعٍ وفي السَّرائرِ معلومٌ وموزونُ
والقلبُ يَلتَذُّ في تَقليبِ مَشهَدِهِ بكلِّ وجهٍ مِن التَّزيينِ ضنِّينُ
والجسمُ فُلْكٌ ببحرِ الجودِ يُزعِجُهُ ريحٌ مِن الغَربِ بالأسرارِ مشحونُ
وراكبُ الفُلكِ ما دامت تُسيِّرُهُ ريحُ الشَّريعةِ محفوظٌ وممنونُ
ألقى الرَّئيسُ إلى التَّوحيدِ مَقدَمَهُ وفيه للملأِ العُلْويِّ تأمينُ
فلو تراهُ وريحُ الشَّوقِ تُزعِجُهُ يجري وما فيهِ تَحريكٌ وتَسكينُ
إنَّ العناصِرَ في الإنسانِ مُودَعةٌ نارٌ ونورٌ وطينٌ فيه مسنونُ
فأودعِ الوصلَ، ما بَيني على كَثبٍ وبينَ ربِّيَ مفروضٌ ومسنونُ
فالسِّرُّ باللهِ مِن خَلْقي ومِن خُلُقي إذا تحقَّقتَ موصولٌ وممنونُ
يقولُ: إنِّيَ قلبُ الحقِّ فاعتَبِروا فإنَّ قلبَ كتابِ اللهِ ياسينُ
مِن بعدِما قد أتى مِن قبلِ نَفحتِهِ عليَّ مِن دهرِهِ في نشأتي حينُ
لا يعرفُ المَلَكُ المعصومُ ما سَببي ولا اللَّعين الَّذي يُنكيهِ تِنِّينُ
لمَّا تستَّرتُ عن صَلصالِ مَملَكتي أخفانِ عن عِلمِهِ في عَينِهِ الطِّينُ
فكانَ يَحجُبُهُ عنِّي وعن صِفتي غيمُ العمى وأنا في الغيبِ مخزونُ
فعندما قُمتُ فيه صار مُفتخِرًا يمشي الهُوَينى وفي أعطافِهِ لِينُ
لمَّا سرى القلبُ للأعلى وجازَ على عَدْنٍ وغازَلنَهُ حُورٌ بها عِينُ
غَضَّ الجفونَ ولم يَثنِ العِنانَ لها لمَّا مضى عن هواهُ القَرضُ والدَّينُ
فعِندَما قامَ فوقَ العرشِ بايَعَهُ اللَّوحُ والقلمُ العلَّامُ والنُّونُ
فلو تراهُ وقد أخفى حقيقتَهُ له فُوَيقَ اسْتواءِ الحقِّ تمكينُ
فإنْ تجلَّى على كونٍ بحِكمتِهِ له على ظَهرِ ذاك الكونِ تعيينُ
فلا يزالُ لِمرْحِ المُلقياتِ بهِ يقولُ للكائِناتِ في الورى: كونوا
فكلُّ قلبٍ سها عن سِرِّ حِكمتِهِ في كلِّ كونٍ فذاك القلبُ مغبونُ
فاعلم بأنَّك لا تدري الإلهَ إذا ما لم يكنْ فيك يَرموكٌ وصِفِّينُ
فاعرف إلهَكَ مِن قبلِ المماتِ فإنْ تَمُتْ فأنت على التَّقليدِ مسجونُ
وإنْ تجلَّيتَ في شرقيِّ مَشهَدِهِ عِلمًا تَنزَّهَ فيك العالُ والدُّونُ
ولاحَ في كلِّ ما يَخفى ويُظهِرُهُ مِن التَّكاليفِ تقبيحٌ وتحسينُ
فافهَمْ فديتُكَ سِرَّ اللهِ فيكَ ولا تُظهِرْهُ فهْو عنِ الأغيارِ مكنونُ
وغِرْ عليه وصُنْهُ ما حَيِيتَ بهِ فالسِّرُّ مَيْتٌ بقلبِ الحُرِّ مدفونُ
المصدر: ديوان ابن عربي، شرحه: أحمد حسن بسج، دار الكتب العلمية، بيروت-لبنان، ص٣٢.
سمات القصيدة
القراءات: 20 قراءة