Skip to main content

قلبي يحدثني بأنك متلفي

ابن الفارض

العصر الأيوبي

قَلبي يُحَدِّثُني بأنَّكَ مُتلِفي رُوحي فِداكَ عرَفتَ أم لم تَعرِفِ
لم أقْضِ حَقَّ هَواكَ إن كُنتُ الَّذي لم أقضِ فيهِ أسًى ومِثلي مَن يَفي
ما لي سِوى رُوحي وباذِلُ نفسِهِ في حُبِّ مَن يَهواهُ ليسَ بمُسرِفِ
فلَئِنْ رَضِيتَ بها فقد أسعَفتَني يا خَيبةَ المَسعى إذا لم تُسعِفِ
يا مانِعي طِيبَ المَنامِ ومانِحي ثَوبَ السَّقامِ بهِ ووَجْدي المُتلِفِ
عَطفًا على رَمقي وما أبقَيتَ لي مِن جِسميَ المُضْنى وقَلبي المُدنَفِ
فالوَجْدُ باقٍ والوِصالُ مُماطِلي والصَّبرُ فانٍ واللِّقاءُ مُسَوِّفي
لم أَخلُ مِن حَسَدٍ عليكَ فلا تُضِعْ سَهَري بتَشنيعِ الخَيالِ المُرجِفِ
واسْأَلْ نُجومَ اللَّيلِ: هل زارَ الكَرى جَفني، وكيفَ يزورُ مَن لم يَعرِفِ
لا غَرْوَ إن شَحَّت بغُمضِ جُفونِها عَيني وسَحَّت بالدُّموعِ الذُّرَّفِ
وبما جرى في مَوقِفِ التَّوديعِ مِن ألَمِ النَّوى شاهَدتُ هَولَ المَوقِفِ
إنْ لم يكنْ وَصلٌ لدَيكَ فعِدْ بِهِ أمَلي وماطِلْ إنْ وَعَدتَ ولا تَفِ
فالمَطلُ منكَ لديَّ إنْ عَزَّ الوفا يَحلو كوَصلٍ مِن حَبيبٍ مُسعِفِ
أهْفو لأنفاسِ النَّسيمِ تَعِلَّةً ولِوَجهِ مَن نقَلَت شَذَاهُ تَشَوُّفي
فَلَعَلَّ نارَ جَوانحي بهُبوبِها أنْ تَنطَفيْ وأوَدُّ ألَّا تَنطَفي
يا أهلَ وُدِّي أنتمُ أمَلي ومَن ناداكُمُ يا أهْلَ وُدِّي قد كُفي
عُودوا لِما كُنتُم عليهِ مِن الوَفا كَرَمًا فإنِّي ذلكَ الخِلُّ الوَفي
وحَياتِكم وحَياتِكم قَسَمًا وفي عُمري بغيرِ حياتِكم لم أحلِفِ
لو أنَّ رُوحي في يَدي ووَهَبتُها لِمُبشِّري بقُدومِكم لم أُنصِفِ
لا تَحسَبوني في الهوى مُتصنِّعًا كَلَفي بكم خُلُقٌ بغيرِ تَكلُّفِ
أخفَيتُ حُبَّكُمُ فأخْفاني أسًى حتَّى لعَمْري كِدتُ عنِّي أختَفي
وكتَمتُهُ عنِّي فلو أبدَيتُهُ لوَجَدتُهُ أخفى مِنَ اللُّطفِ الخَفي
ولَقد أقولُ لِمَن تَحرَّشَ بالهوى عَرَّضتَ نَفْسَكَ للبَلا فاسْتَهدِفِ
أنتَ القَتيلُ بأيِّ مَن أحبَبتَهُ فاختَرْ لِنفْسِكَ في الهوى مَن تَصطَفي
قُلْ للعَذولِ: أطَلتَ لَومي طامِعًا إنَّ المَلامَ عنِ الهوى مُستَوقِفي
دَعْ عنكَ تَعْنيفي وذُقْ طَعمَ الهَوى فإذا عَشِقتَ فبَعدَ ذلكَ عَنِّفِ
بَرَحَ الخَفاءُ بحُبِّ مَن لو في الدُّجى سَفَرَ اللِّثامَ لَقُلتُ: يا بدرُ اخْتَفِ
وإنِ اكْتَفى غَيري بطَيفِ خَيالِهِ فأنا الَّذي بوِصالِهِ لا أكتَفي
وَقْفًا عليهِ مَحَبَّتي ولِمِحنَتي بأقَلَّ مِن تَلَفي بهِ لا أشتَفي
وهَواهُ وهْوَ أَلِيَّتي وكَفى بهِ قَسَمًا أكادُ أُجِلُّهُ كالمُصحَفِ
لو قالَ تِيهًا: قِفْ على جَمْرِ الغَضا لَوقَفتُ مُمتثِلًا ولم أتَوقَّفِ
أو كانَ مَن يرضى بخَدِّي مَوطِئًا لَوضَعتُهُ أرْضًا ولم أستَنكِفِ
لا تُنكِروا شَغَفي بما يَرضى وإنْ هوَ بالوِصالِ عَلَيَّ لم يَتعَطَّفِ
غَلَبَ الهَوى فأطَعتُ أمرَ صَبابتي مِن حيثُ فيه عَصَيتُ نَهْيَ مُعنِّفي
منِّي لهُ ذُلُّ الخَضوعِ ومنهُ لي عِزُّ المَنوعِ وقُوَّةُ المُستضعِفِ
ألِفَ الصُّدودَ ولي فُؤادٌ لم يَزَلْ مُذْ كُنتُ غيرَ وِدادِهِ لم يَألَفِ
يا ما أُمَيلِحَ كُلَّ ما يَرضى بهِ ورُضابُهُ يا ما أُحَيْلاهُ بِفِي
لو أسمَعوا يَعقوبَ ذِكرَ مَلاحةٍ في وَجهِهِ نَسِيَ الجَمالَ اليوسُفي
أو لو رآهُ عائِدًا أيُّوبُ في سِنةِ الكَرى قِدمًا مِنَ البَلوى شُفي
كُلُّ البُدورِ إذا تَجلَّى مُقبِلًا تَصبو إليهِ وكُلُّ قَدٍّ أهيَفِ
إن قُلتُ: عندي فيكَ كُلُّ صَبابةٍ قالَ: المَلاحةُ لي وكُلُّ الحُسنِ في
كَمَلَت مَحاسِنُهُ فلو أَهدى السَّنا للبَدرِ عِندَ تَمامِهِ لم يُخسَفِ
وعلى تَفنُّنِ واصِفِيهِ بحُسنِهِ يَفنى الزَّمانُ وفيه ما لم يُوصَفِ
ولَقد صَرَفتُ لِحُبِّهِ كُلِّي على يَدِ حُسنِهِ فحَمِدتُ حُسنَ تَصرُّفي
فالعينُ تَهوى صُورةَ الحُسنِ الَّتي رُوحي بها تَصبو إلى مَعنًى خَفِي
أَسعِدْ أُخَيَّ وغَنِّني بحَديثِهِ وانْثُرْ على سَمْعي حِلاهُ وشَنِّفِ
لِأرى بعَينِ السَّمعِ شاهِدَ حُسنِهِ معنًى فأَتحِفْني بذاكَ وشَرِّفِ
يا أُخْتَ سَعْدٍ مِن حَبيبي جِئتِني برِسالةٍ أدَّيتِها بتَلطُّفِ
فسَمِعتُ ما لم تَسمَعي، ونَظَرتُ ما لم تَنظُري، وعَرَفتُ ما لم تَعرِفي
إنْ زارَ يومًا يا حَشايَ تَقطَّعي كَلَفًا بهِ أو سارَ يا عَينُ اذْرِفي
ما لِلنَّوى ذَنْبٌ ومَن أهوى مَعي إنْ غابَ عن إنسانِ عَيني فَهْوَ في
المصدر: ديوان ابن الفارض، دار صادر بيروت، ص151.
سمات القصيدة
القراءات: 21 قراءة