Skip to main content

شكر النسيم

أمين الجندي

العصر العثماني

شكرَ النَّسيمُ مِنَ العَذيبِ وُرودي ما بَينَ رَوضِ عَباهرٍ وَوُرودِ
نادَيتُ غِبَّ تَمزُّقي لِبُرودي أَهلًا بِنَشْرٍ مِن مَهبِّ زَرُودِ
أَحْيا فؤادَ العاشقِ المَنْجودِ
حَيَّا الصَّبا تِلكَ الرُّبى فَتَعَطَرتْ وَأَراحَ رُوحًا بِالتَّواصل بَشَّرتْ
أَدّى الرِّسالةَ مثلَما قَد سُطِّرتْ وَرَوى شذا خَبَر العَقيقِ فَفَجَّرتْ
فيهِ عُيونَ الدَّمع فَوقَ خُدودي
كَم مُستهامٍ باتَ مِن أَلَم النَّوى يَشكو وَفي أَحشائِهِ نارُ الجَوى
لا سيَّما إِذ فاحَ عَرفُ شَذا اللِّوى وَنَما فَنَمَّ لَنا بِأَسرار الهَوى
مِن حَيث مَنزلة الظِباء الغيدِ
يا سيد الرُسل الأَماجدِ يا ضِيا عَيني وَيا شَمسي وَيا قَمَري وَيا
بِكَ لا بِغَيرِكَ يا أَجَّلَ الأَنبيا تِلكَ المَعاهدُ جادَها صَوبُ الحَيا
وَسرى النَّسيم بِظِلِّها المَمدودِ
مِن كُلِّ بارِعَةِ الجَمالِ غَنيَّةِ في حُسنِها عَن حُلَّةٍ يَمنيَّةِ
يَرتَعنَ في غُرَفٍ لَهُنَّ سَنيَّةِ فيها بَواعثُ مُنْيَتي وَمَنِيَّتي
وَبِوِرْدها ظَمئي وَطيبُ وُرودي
دارٌ سما شَوقي إِلى أَسمائِها وَليَ الشِّفاءُ بِتُربِها وَبِمائِها
هِيَ طَيْبَةٌ وَالطِّيبُ مِن أَسمائِها إن يَنْأَ عَن عَيني بُدُورُ سَمائِها
فَأَنا المُقيمُ عَلى رَسيسِ عُهودي
القدُّ غُصنٌ بِالملاحةِ مُورِقُ وَالوَجه بَدرٌ بِالمَحاسنِ مُوْنِقُ
يا لائِمي دَعني فَلومُك مُوبِقُ كَيفَ السُّلوُّ وَلِيْ فوادٌ مُوثَقُ
في الحُبِّ لا يُصغي إِلى التَّفنيدِ
ما حِيلَتي وَالنَّوم عَن عَينيْ شَرَدْ وَالبَينُ قَد أَفنى التَّصبُّرَ وَالجَلَدْ
قُربٌ وَبُعدٌ ذُبتُ بَينَهُما كَمَدْ وَتَأَوُّهٌ لَولا دُموعي لَم يَكدْ
يَنجو الوَرى مِن جَمرِهِ المَوقودِ
قسمًا بِمَن أَذكاهُ بَرْدُ نُسَيِّمِ مِن حَرِّ شوقٍ في الضُّلوعِ مُخيِّمِ
إِنَّ الغَرامَ وَإِن حَلا لِمُهيَّمِ داءٌ تَعوَّدَهُ فؤادُ مُتيَّمِ
لَم يَلتحفْ غَيرَ الأَسى بِبُرودِ
صَبٌّ أَثارَ هَوى العَذيبِ جُنونَهُ وَأَطالَ بَرقُ الأَبْرَقَينِ شُجُونَهُ
تَاللَّهِ ما شانَ السُّلوُّ شؤونَهُ كَلَّا وَلا كَحَلَ الرُّقادُ جُفونَهُ
أَيَلَذُّ مَن أَلِفَ الهَوى بِهُجُودِ
يا مَن نَفى عَن قَلبِهِ حُبَّ السَّوى وَأَذاب مُهجتَهُ لَظى حَرِّ الجَوى
قُلْ لِلَّذي يَشكو مَراراتِ النَّوى ما أَعذَبَ التَّعذيبَ في طُرُقِ الهَوى
ما لَم تُشَبْ أسقامُهُ بِصُدُودِ
كَم في بَديعِ جَمالِ وَجهٍ باهِرِ طَرْفٌ يَلَذُّ لِسامِعٍ وَلِناظِرِ
يا عاذِلي في الحُبِّ هَل مِن عاذِرِ نَفسي الفِداءُ لِذي قوامٍ ناضرِ
جَعلَ الحِذارَ وَسيلةَ التَّهديدِ
فَعَسى بِتَقريبي يَجودُ تفضُّلا كَرَمًا وَيَشفي داءَ قَلبٍ مُعضِلا
ريمٌ إِذا ما رُمتَ مِنهُ توصُّلا يَلهو فَيذكرُ مَوعِدي مُتَنَصِّلا
وَمِنَ الوفاءِ تَذَكُّرُ المَوعُودِ
غشَّى الحَياءُ خُدودَهُ فَتورَّدَتْ وَزَهَتْ شموسُ جَبينِهِ فَتَوقَّدَتْ
قَمَرٌ إِذا الأَعطافُ مِنهُ تَجَرَّدَتْ لَبِسَتْ غَدائرُهُ الدُّجى وَتَقَلَّدَتْ
لَبَّاتُهُ مِن زَهرِها بِعُقودِ
مِن أَينَ لِلبَدرِ المُنيرِ وَلِلرَّشا قَدٌّ يَقُدُّ السَّمهريَّ إِذا مَشى
غُصنٌ بِرَوضاتِ الجَمالِ قَد انتَشى رَخْصٌ كَجسمِ النَّورِ مُنهَضمِ الحَشا
لَدِنٌ كَخُوطِ البانَةِ الأَمْلُودِ
خافَ الوشاةَ فَزارَني مُتَنكِّرا قَمَرًا بَليلٍ مِن ذَوائِبِهِ سرى
فَقَطفتُ مِنهُ قَضيبَ بانٍ مُزهِرا عَهدي بِهِ وَاللَّيلُ مُنفَصِمُ العُرى
مُتَوَسِّدًا وِفْقَ الهَوى بِزُنُودِ
حَتّى إِذا حَيَّا بِبارقِ نَحرِهِ وَبِصُبحِ فَرقٍ شقَّ غَيهبَ شَعرِهِ
فَضمَمتُهُ ضَمَّ الكِمامِ لِزَهرِهِ وَالقَلبُ يَظمأُ مِن مَراشفِ ثَغرِهِ
ظَمأَ السَّكارى بِابْنَة العُنقودِ
ريمَ يَلوحُ البَدرُ تَحتَ نِقابِهِ وِيَفوحُ عَرْفُ المِسكِ مِن جِلبابِهِ
وَمُذِ اِمْتَلا بِالحُبِّ كاسُ شرابِهِ بَعَثَ الشَّبابَ عَلى وُرودِ رِضابِهِ
فَأَتى الفراقُ وَحالَ دونَ وُرودي
أُمسي مُسيئًا بِالأَسى ذاكَ المَسا لَو كانَ حَيًّا صُبحُهُ لَتنفَّسا
فارقْتُ فيهِ غَزالَ سربٍ أَلْعَسا وَجَعلتُ زادي بَعدُهُ جَرْعَ الأَسى
وَأَطَلت فيهِ تَهائِمي وَنُجودي
يا مَطلعَ البَدرِ المُنيرِ بَلَعلَعِ حَيَّتكَ سارِيَةُ الحَيا مِن مَطلَعِ
أَمسيتُ ذا حُزنٍ لِفَرطِ تَولُّعِ وَغَدَوتُ في شَجَنٍ يُقَلقِلُ أَضلُعي
إِنَّ الشُّجونَ غِلالةُ المَعمودِ
ما آنَ نَقضي بِالمَحبَّةِ دَينَنا مِن قَبلِ أنْ نَلقى بِبُعدِكَ حَيْنَنا
إِنْ كانَ فَرطُ الحُبِّ أَوجَبَ بَينَنا لَيتَ الَّذي مَنعَ التَّداني بَينَنا
وَقَضى عَليَّ بِوَحشةِ التَّبعيدِ
لَم يُصغِ لِلواشينَ إِذْ كَشَفَ الغِطا عَن عَينهِ وَرَأى الصَّوابَ مِنَ الخَطا
وَعَساهُ إِذْ مَتَنَ الصُّدودَ قَدِ امْتَطى يَلوي فيُسعِفُهُ بِتَقريبِ الخُطى
وَيَفكُّ مِن أَسرِ الفِراقِ قُيودي
رُوحي فِدى لَحدٍ بِطَيبةَ قَد سَما أَرَجًا وَفيهِ الأَرضُ فاخَرَتِ السَّما
فَمَتى بِقُربِ مَزارِهِ أَروي الظَّما وَأَشيمُ بَرقَ الوَصلِ مِن قَبلِ الحِمى
وَأَشمُّ رَوحَ الأُنسِ غَيرَ بَعيدِ
لي في الهَوى نَفسٌ فَدَتْ أَحبابَها وَاستَعذَبَتْ بِلظى الغَرامِ عَذابَها
أَتُرى يُعيدُ ليَ الزَّمانُ شَبابَها وَأَرى خِيامَ أَحِبَّتي وَقِبابَها
كَالخُودِ تَجلَى في عِراصِ البِيدِ
أَو هَل أَرى نُورَ النُّبُوَّةِ قَد بَدا مِن مَرقَدٍ سطَعَت بِهِ شمسُ الهُدى
وَعَلى الجِنانِ بِهِ تَسامَت سُؤْدَدا أَرضٌ يَفوحُ بِتُربِها أَرَجُ النَّدا
وَالمَجدُ مِن نُوَّارِها المَخضودِ
يا طالِبًا نَيلَ العُلا بِالرُّوحِ جُدْ وَاِنزلْ بِظلِّ الرَّوضةِ الحَسَنا تَسُدْ
وَالثُمْ ثَراها المُستَطابَ وَزُرْ وَعُدْ هِيَ مَهبِطُ الوَحي القَديمِ وَمَعْقلُ الدِّ
ينِ القَويمِ وَمَوطنُ التَّوحيدِ
جَلَّ الَّذي في صُلبِ آدمَ أَوجَدا نورًا لَهُ عنَتِ المَلائكُ سُجَّدا
فَاخضعْ وَلُذْ بِجَنابِهِ مُستَنجِدا حَيث المَكارمُ وَالمَغانمُ وَالجَدَا
حَيثُ المَراحمُ، حَيثُ مَأوى الجودِ
حَيث السَّعادةُ وَالسِّيادةُ وَالعُلى حَيث الدِّيانَةُ وَالأَمانةُ وَالوَلا
حَيث البِشارةُ وَالنَّذارةُ لِلمَلا حِيث الضَّريحُ الطَّاهرُ السَّامي عَلى
فَلَكِ العُلا وَالرَّفرفِ المَمدودِ
هَل يَعتري أَهلَ الثَّناءِ مَلالَةُ مَهما يَكُن لِلمَدحِ فيهِ إِطالَةُ
وَهُوَ الَّذي إِذ شرَّفتهُ رِسالَةُ ظَلَّت عَلَيهِ مَهابةٌ وَجَلالَةُ
يَغشى العُيونَ بِنورِهِ المَشهودِ
بِجنابِهِ الرُّسْلُ الأَماجدُ تَقتَدي وَبِهَديِهِ كُلُّ العَوالمِ تَهتَدي
رُكنٌ إِذا ما فاضَ ناديهِ النَّدي تَأوي إِلَيهِ الأَنبياءُ فَتَجتَدي
مِن فَضلِهِ المَأمولِ كُلَّ مَزيدِ
بِقدومِهِ الحُورُ الحِسانُ تَشرَّفتْ وَعَلَيهِ مِن أَعلى القُصورِ تَشَرَّفَتْ
وَبِعُرفِهِ أَهلُ النَّعيمِ تَعَرَّفتْ وَلِأَجلِ خِدمَتِهِ الجِنانُ تَزَخرَفَت
وَمِنَ السَّعادةِ خدمةُ المَسعودِ
في غَيبِ علمِ اللَّهِ كانَ وَلم نَكُنْ وَثَناهُ بِالإِسرا أَتى وَبلَم يَكُنْ
مَن مِثلُهُ وَهُوَ الَّذي مِن عَهد كُنْ قَد كانَ يُدَعى بِالنَّبيِّ وَلَم يَكُن
خَلْقٌ وَآدمُ لَيسَ بِالمَوجودِ
روحُ النِبا بِفَم الضَّمائرِ قَبَّلت تُربًا حَوَتهُ وَبِالضَّريحِ استَقبَلَت
وَبِصدقِ دَعوَتِهِ وَحِينَ تَسربَلَت شهِدَت ببعثَتِهِ الوحوشُ فأقْبلَت
تَتْرى فَمِن شاكٍ وَمِن مَصفودِ
أَنتَ الَّذي نَسخَت أَباطيلَ العِدى آياتُهُ فَتَبَيَّنت سُبُلُ الهُدى
إِن أَنكَروا مِن مُعجزاتِكَ ما بَدا فَالظَّبيُ وافى مَوثقًا يَشكو الرَّدى
وَالعودُ أَبدى أَنَّةَ المَجهودِ
في الأَرضِ ظِلُّ اللَّهِ ما لِمثالِهِ في الشَّمسِ مِن ظلٍّ يُرى لِخَيالِهِ
وَلِفَرطِ عِزِّ جَمالِهِ وَكَمالِهِ قَد صِينَ بِالمَلَكوتِ ذَيلُ ظِلالِهِ
كَيْلا يُجَرَّ عَلى بِساطِ صَعيدِ
في الحَربِ أَروى الجَيشَ عَذبًا فائِضا مِن راحَةٍ بِاللَّمسِ تُبْري عارِضا
وَعَلى مَلاكِ الكَونِ أَصبَحَ قابِضا وَغَدا بِأَعباءِ الرِّسالَةِ ناهِضا
وَالأَرضُ ملءُ ضغائنٍ وَحقودِ
فَأَعَزَّ بِالدِّينِ الحَنيفِ مَنِ اهْتَدى وَأَذَلَّ بِالنَّاسِ الشَّديدِ مَنِ اعتَدى
وَعَلَيهِ حينَ تَجَمَّعت زُمَرُ العِدى فَنَضا لِحَصدِ الشِّركِ مِن غِمْدِ الهُدى
بِيضًا يُضِئْنَ عَلى اللَّيالي السُّودِ
شمسُ الهُدى بَزَغَت بِرَوضِ مَعالِمِ مِن نورِ طَلعةِ بَدرِ سيَّدِ هاشمِ
غَوثٌ أَبادَ المُشرِكينَ بِصارِمِ أَضحى لِبَيتِ الكُفر أَقوى هادِمِ
وَلقَصرِ دينِ اللَّهِ خَيرَ مُشيدِ
كَم فَرَّجَت غاراتُهُ مِن غُمَّةِ عَن أُمَةٍ هِيَ فيهِ أَكرَمُ أُمَّةِ
لا زالَ كَشَّافًا لِكُلِّ مُلمَّةِ بِعَزيمةٍ تُردي الأُسودَ وَهِمَّةِ
تَقضي بِهدِّ شوامخِ الجُلمودِ
فَهُوَ المُشَفَّعُ وَالحَبيبُ المُتَّقى وَالطَّاهرُ البَرُّ المُتَوَّجُ بِالتُّقى
بَدرٌ لِمولِدِه الضَّلال تَمَزَّقا وَبِهِ أَضاءَ الدَّهرُ مِن ظُلَمِ الشَّقا
وَالكَونُ أَشرَقَ مِن سنى التَّوحيدِ
كَم مادِحٍ لِعُلاهُ أَبْدى مِدحةَ قَبلي فَنالَ مِنَ العِنايَةِ مِنحةَ
يا مَن بِهِ زَكَتِ المَدينةُ نَفحةَ وَتَهلَّلَ البَيتُ المُكَرَّمُ فَرحَةَ
وَغَدا يَميدُ بِرُكنِهِ المَوطودِ
وَحيٌ بِغارِ حِرا حَباهُ بِقُربِهِ وَأَتى لَهُ بِرِسالَةٍ مِن رَبِّهِ
وَالشِّركُ ذلَّ مَخافةً مِن حَربِهِ وَالدِّينُ أَمسى آمِنًا في سربِهِ
مُتَبَختِرًا بِمطارفِ التَّأييدِ
كَم مِنحَةٍ لِلأَنبيا مَربوطَةِ بِجنابِهِ وَشريعةٍ مَضبوطةِ
قُل إِن أَرَدت نَدى يَدٍ مَبسوطَةِ بُشرى لَنا مِن أُمَّة مَغبوطةِ
أَبَدًا بِهَذا السيد المَحمود
ما خابَ مَن لِلظَنِّ أَحسنَ وَالرَّجا بِجَنابِهِ وِإِلى حِماه قَد اِلتَجا
فَانزل بحيِّ حِماه إن رُمتَ النَّجا فَهُوَ النَبيُّ المُستَغاث المُرتَجى
مَأوى الضّعيف وَمَلجأ المَطرودِ
فرعٌ بِهِ طابَت مَغارسُ أَصلِهِ وَاللَهُ أَوجَد ذا الوجودَ لِأَجلِهِ
وَهُوَ الَّذي بِكمال رِفعة فَضلِهِ أَهلُ البَسيطةِ تَستَظلُّ بِظِلِّهِ
مِن حَرِّ يَومٍ كاشحٍ صَيخودِ
بِنَجاةِ أُمّتِهِ العُصاةِ تَكفَّلا فَضلًا وَإِن مَلَأَت جَرائمُها العُلا
أَفلا أَكون بِجاهِهِ مُتَوَسِّلا وَبِهِ يُغاث المُرسلون وَكَيفَ لا
وَالكُلُّ تَحتَ لِوائِهِ المَعقود
لَيتَ الَّذي أَضحى لِعَقلي مالِكا يُدني مُحبًّا لا مَحالَة هالِكا
لُقِّيتَ خَيرًا بَل وُقِيت مَهالِكا يا طالِبًا وَجهَ النَّجاح وَسالِكا
جُدَدَ الفَلاح وَمَنهجَ التَسديدِ
عُج بِالمطيِّ إِلى فَسيح رِحابِهِ مُتَمَسّكًا بِاللَّثم مِن أَعتابِهِ
وَإِنِ الزَّمان رَماك في أَوصابِهِ يَمِّمْ حِماه وَلا تَحِدْ عَن بابِهِ
فَهُناك تَبلغ غايَة المَقصودِ
فَعَسى مطاياك الَّتي هِيَ سَدُّنا بِالفَتح وَالنَصر المُبين تَمُدُّنا
فَاعطِفْ وَقُل لا تَخشَ حَسبُكَ وِدَّنا مَولاي يا غَوث البَرايا في الدُّنا
وَمُجيرَها في المَوقف المَوعودِ
بِبَديع وَصفك لا يَزال تَفنُّني وَا خيبةَ الآمال إِن لَم تُدنِني
وَأَنا الأَمين عَلى هَواك لِأَنَّني بَيني وَبَينك نِسبةٌ لَكِنَّني
لَم أَرعَ واجب حَقِّها المَعهودِ
حاشاكَ تهملُها وَأَنتَ لِوا لؤي وَلَكَ انتَهى المَجد المُؤَثَّل مِن قُصي
فَكَما نَبَذت لَها بِتَفريطٍ وَعي فَنَبَذت غَيرَ مُكرَّمٍ وَسقَطت غَيـ
ـرَ مقوَّمٍ وَسقِمتَ غَيرَ مَعُودِ
روحٌ تَمَلّكتِ المَحبّةُ رِقَّها وَإِلَيكَ تُنسبُ كَيفَ تَرضى عِتقَها
وَلَئن قَطَعتُ بِسوء فعلي عِرقَها فَلأَنتَ أَولى مَن يُراعي حَقَّها
وَبِصونِها مِن وَصمة التَّأويدِ
حاشاكَ بَعد تَفضُّلٍ وَتَرَحُّمِ تَرمي حِبالَ مَوَدَّتي بِتَصرُّمِ
أَنا مِن عِيالِك يا أَجلَّ مكرَّمِ هَبْ أنَّني واصلتُ كُلَّ مُحرَّمِ
وأطلتُ فيهِ غَوايَتي وَجُحودي
وَغَرقتُ في البَحر الَّذي أَنا خائِفُ مِن خَوض لُجَّتهِ وَها أَنا تالِفُ
وَرَكبتُ ما عَنهُ نَهاني عارِفُ وَجَنيت ذَنبًا ما جَناهُ قارفُ
مِن عَهد شدّادٍ وَعَهد ثَمود
أَوَ لَيسَ أَوزارُ الأَنامِ كَذَرَّةِ في ساحَةٍ مِن برِّ واسع حَضرَةِ
أَنتَ الشفيعُ مَتى مَنَنتَ بِنَظرةِ فَذُنوبُ أَهلِ الأَرضِ أَدنى قَطرةِ
مِن فَيض بَحر نَوالِكَ المَمدودِ
لا زِلتُ أَرتع في الذُنوب وَأغتَذي في كُلِّ مَحظورٍ قَبيحِ المَأخذِ
فَأَنا الغَريق وَلَيسَ غَيرُك مُنقذي غفْرًا رَسول اللَه لِلحَرَم الَّذي
أَثقالُهُ غلبتْ عَلى مَجلودِ
ماذا أَقول بِوَصف ذاتِكَ بَعدَما أَثنى الإِلَه عَلى عُلاك وَعظَّما
لَكِنَّني بِالمَدح رُمتُ ترحُّما وَتَفَضُّلًا في فَكِّ أَسري مِثلَما
أَطلَقتَ أسْرَ هوازنٍ بِقَصيدِ
حَسَّانُ مَدحُك بِالدُّعاءِ نَصرتَهُ وَبِنَفح روح القُدس مِنكَ غَمَرتَهُ
وَأَنلت نابِغَة المُنى وَجَبرتهُ وَوَهبتَ مِن كَعبِ دَمًا أَهدَرتَهُ
وَكَسوتَهُ بِمَلابس التَّرفيدِ
لِرِضاءِ رَبِّك كَم خُطُوبٍ صعبةٍ كُلِّفتَها وَلَقيتَ أَعظَم كُربَةِ
وَلِهَدي قَومك كَم دَعَوت بِرَغبةِ وَطَلَبت غُفران الإِلَه لِعُصبةِ
شَجُّوكَ – لا كانوا- بِسهمِ حَديدِ
جحدَت قُريشٌ وَحي رَبِّك إِذ وَرَدْ فَعَموا وَصمُّوا عَن مُتابَعة الرَّشَدْ
وَكَذَلِكَ الأَحزابُ أضمَرَتِ الحسدْ وَبَنو ثَقيفٍ إِذ دَعوتَهُم وَقَدْ
آذوك في يَومٍ عَلَيكَ شديدِ
عَميت بَصائرهم كما مُلئت قَذى أَبصارُهُم إِذ قابَلوك على الأَذى
وَعَلَيهمُ الشيطانُ حينَ استَحوَذا هَشموا ثَناياكَ الحسانَ وَحَبَّذا
دُرٌّ زَها مِن ثَغرك المَنضودِ
قَومٌ أَضاعوا ماضيًا وَمُضارِعا مِن فعلهم وَدَعوا مَناةَ ضَوارِعا
وَلِبغيهم في الحال شِمْتَ مُصارعا وَأَتاكَ جبريلُ الأَمينُ مُسارِعا
لِيبيدَهم وَاللَه خَيرُ مُبيدِ
فَأَبَت شمائُلك المكمَّلُ عِزُّها إهلاكَهم حَيثُ السماحُ يَهزُّها
وَكَشفتَ غاشيَةً أَتاها رِجْزُها فَعَفوت عَفوًا لا يُكدِّرهُ الزَّها
وَحلُمتَ حِلمًا لَيسَ بِالمحدودِ
وَضرَبت صفحًا عِن إِساءَةِ فِعلهمْ وَعَن البَوادِ لِحزنهم وَلِسهلِهمْ
مَولاي هَبْ أنِّي نهلتُ كَنهلهمْ إِن كانَ ما نالوهُ عَنكَ بِجهلهمْ
أَو لاتصالِ قرابَةٍ بِجدودِ
فَأَنا الجَهول وَبَحرُ حِلمِك طافِحُ وَعَليَّ إِشراقُ اِنتِسابِك لائِحُ
فكَما لُهم بالجَهل أَنتَ مُسامِحُ وكَذاكَ جَهلي بِالجِنايَةِ واضحُ
وَوصول حَبلي منك غَير بَعيد
عُجْنا نُؤُمُّ البَيت مِن أُمِّ القُرى وَبطَيبةِ الفَيحاءِ طابَ لَنا القِرى
فَلَنا الهَناءُ بِجاهكِ السَّامي الذُّرى يا مُفزِع الثقلينِ ياغَوثَ الوَرى
وَأَمانَ كُلِّ مشتَّتٍ مَبعودِ
اللَهُ أَوجبَ ما شرَعتَ وَسَنَّهُ وَعَليك بِالإِحسان أَجزلَ مَنَّهُ
يا مَن بِكَ المَلهوفُ أَحسنَ ظَنَّهُ عَطفًا عَلى حال الشَّتيتِ فإنَّهُ
ضاقَ الخِناقُ وَقُدَّ حَبلُ وَريدي
يا فتنَةً لِأولي الفَصاحَة أَبكَمَتْ وَبِها البُغاثُ عَلى البُزاةِ تَهكَّمَتْ
كَيفَ التَّخَلُصُ مِن خُطُوبٍ أُركِمتْ وَقَد اِلتَقَت حِلَقُ البِطان وَأَحكَمَتْ
أَيدي الهَوانِ وَثائِقي وَعُهودي
وَلغُربة الإِسلام قُلتُ مؤرِّخًا زَمَنًا لنا لا عَدلَ فيهِ وَلا رَخا
وَفَررتُ مِن يَوم بربعي فَرَّخا وَأَتيتُ بابك ضارِعًا مُستَصرِخا
بِجَوانحٍ تَرمي الفَضا بِوَقودِ
يا مُرسَلًا نَطقَ الحَصاةُ بِكفِهِ وَلَهُ البَعير قَد اشتَكى مِن ضَعفِهِ
يا مَن يَجود لِقاصديه بِلُطفِهِ أَدعوك لِلخَطب العَظيم وَكَشفِهِ
عَنِّي دُعاءَ الحائر المَردُودِ
يا مَن شُغِلتُ بِذكرِهِ عَمَّن لَها إِن لَم تَكُن للمعضلات فَمن لَها
لِعُلاك أَعرِض سُقمَ نَفس ملَّها وَأبثُّ شكوائي إِلَيك لَعَلَّها
تَحَظى بِسمعِ مِن نَداك حَميدِ
وَدَّعتُ لَذّاتي وَداعَ مُفارقِ سُلوانُهُ مِن بَعد شيبِ مَفارِقِ
وَطَمِعتُ مِنكَ بِنهل وِردٍ رائقِ وَفُؤاديَ المَصدوعُ أَعظَمُ واثِقِ
أَلَّا أَعودَ بِمَصدرٍ مَردودِ
هَل ثَمَّ غَيرُك راحِمٌ ذا شيبَةِ حازتْ بِمَدح عُلاكَ أَعظَمُ هَيبَةِ
يا مَن بِهِ طابَت مَعاهدُ طَيبَةِ حاشا لِمَجدكَ أن أَبوءَ بِخَيبَةِ
وَحِماك مُنتجعي وَأَنتَ عَميدي
أَنتَ الَّذي خَتَمَ الإِلَهُ الأَنبيا بكَ وَاستَمَدَّت مِن هُداك الأَوليا
مَن لي بِطَلعتكَ المُكمَّلةِ الضِّيا صلّى عَلَيكَ اللَهُ ما جادَ الحَيا
بِمُجَلجِلٍ يَروي الصخورَ مَزيدِ
وَعَلى جَميعِ المُرسلين وَصَحبِهُمْ وَأَولي النَّبا المُتَجرِّدين لِرَبِّهُمْ
وَعَلى المَلائِكَةِ الكِرام وَحِزبهمْ وَعَلى عَشيرتِك الَّذين بِحُبِّهمْ
طَهَّرْتُ مِن دَنسِ العُقوقِ بُرُودي
هُم آلكُ القُربى الَّذين بِذِكرِهمْ نطق الكِتابُ مُنبِّئًا عَن فَخرِهُمْ
فلئن عَجَزت عَن القِيام بِشُكرِهمْ فَوِدادُهم ديني وَطاعة أَمرِهُمْ
نِعمَ العِياذُ إِذا أَلَّمَ هُمودي
وَعَلى خَليفَتِك الأَحَقِّ تَقَدُّما وَوَزيرِك الفاروقِ مَن أَحيا الحِمى
وَعلى ابْن عَفَّانٍ وَحَيدَرةٍ وَما وَكَذلِكَ الصَّحبِ الكِرامِ مُسلِّما
ما فاحَ نَشرٌ مِن مَهبِّ زَرودِ
المصدر: ديوان أمين الجندي، صفحة 194 – 207 طبعة دار المعارف بيروت - جمعه محمد كمال بكداش بلا تاريخ "هذه القصيدة تخميس لقصيدة حجازي أفندي مفتي حلب."
القصيدة تتضمن تأريخًا بحساب الجمل (زَمَنًا لنا لا عَدلَ فيهِ وَلا رَخا) يوافق سنة 1247 للهجرة وهي تقابل 1831-1832 للميلاد.
سمات القصيدة
القراءات: 143 قراءة