تحية الكشاف
بَسَمَ الصَّباحُ فهل تُحِبُّ مِراحا إنْ شِئتَ فانْهَضْ واغْتنِمْهُ مُباحا
ومشى النَّسيمُ فأيقَظَت أنْفاسُه وَردًا يَفوحُ ونَرجِسًا وأَقاحا
وتَرنَّمَت فوقَ الغُصونِ حَمائِمٌ نَهَلَت مِنَ الطَّلِّ المُذَوَّبِ راحا
قُمْ يا نَؤومُ إلى الرِّياضِ فإنَّ ما تَلْقاهُ فيها يُذهِبُ الأتراحا
ما أُلبِسَت هذي الأزاهِرُ حَلْيَها إلَّا لِتَنشُقَ عَرْفَها الفَوَّاحا
فلمَ الثَّواءُ وفي الطَّبيعةِ شادِنٌ يَسقيكَ مِن خَمرِ الهَنا أقداحا
قُمْ وارْتشِفْ ما شِئتَ شَهْدًا سائِغًا فمُديـرُ كأسِكَ لم يَزَلْ مِسماحا
وإذا طَلبتَ مِنَ الأصيلِ ووَشيِهِ غُنْمًا ومِن طَيرِ المَساءِ صُداحا
فالحَقلُ فيـهِ ما طَلبتَ وإنَّمـا تَجِبُ الزِّيـارةُ غُدوةً ورَواحا
ياربِّ أنتَ خَلَقتَ هذا كُلَّـهُ وتَرَكتَ سَدْلَ السَّترِ عنهُ مُزاحا
ماذا على الكَشَّافِ منْ تَسيارِهِ بيْنَ الرُّبا تُزْهى مَساءَ صَباحا
يَشتارُ مِن طَلِّ الخَمائِلِ قَرْقَفًا ويَحوكُ مِن دُرِّ الأَقاحِ وِشاحا
يَشدو معَ الأطيارِ في وُكُناتِها ويُنازِعُ الظَّبيَ الغَريـرَ سَراحا
وتَراهُ يَصعَدُ في الجِبالِ كأنَّـهُ أَسَدٌ يكافِحِ ما يَعوقُ كِفاحا
حتَّى إذا بَلغَ الذُّرا حَمِدَ السُّرَى للهِ أنتَ لقد لَقِيـتَ نَجاحا
يارايةَ الكَشَّافِ أنتِ لِمَجدِنا أملٌ يُعِدُّ مِنَ الشَّبابِ سِلاحا
إنِّي لَألمَحُ في العِصِيِّ وأهْلِها جَيشًا تَنكَّبَ لِلنِّزالِ رِماحا
هِمَمُ الشَّبابِ وما عُرِفنَ فَواتِرًا يَشحَذْنَ لِلآتي القَريبِ صِفاحا
ما أعذَبَ الآمالَ تُنشَرُ بَعدَما دُفِنَت وأصبحَ رَبْعُها مُجْتاحا
كمْ قد يُناحُ على الطُّلولِ كأنَّما آضَت أفانِيـنُ الحَديثِ نُواحا
ياأيُّها البَطلُ الَّذي يَبكي أسًى حقًّا يُعفِّيهِ الزَّمانُ صُراحا
كَفكِفْ دُموعَ الحُزنِ إنَّكَ واجِدٌ رَغْمَ الزَّمانِ إذا نَشَطتَ فَلاحا
هذِي مَيامِيـنُ العَريبِ وهذِهِ راياتُها فالفَوزُ صارَ مُتاحا
أَنَخافُ مِن داجٍ يُعوِّقُ سَيـرَنا والفَجرُ أصبَحَ مُشرِقًا وَضَّاحا؟
هَبْ أنَّ هذا اللَّيلَ أرْخى هَيْدَبًا حَولَ الظُّعونِ فما يُريدُ بَراحا
يُزجي السَّحائِبَ في السَّماءِ كَثيفةً ويُثيـرُ نَوْءًا عاصِفًا ورِياحا
أَيَهابُ مَن جعَلَ الكُماةَ دَليـلَهُ ويَضِلُّ مَن تَخِذَ المُنَى مِصباحا
تاللهِ ما ذاقَ الحَياةَ شهادَها مَنْ لم يُذلِّلْ صَعبَها الجَمَّاحا
إنَّا نُحَيِّي في الشَّبيـبةِ أمَّةً بَذَلوا لها الأكْبادَ والأرْواحا
ما ضَـرَّنا أنَّا يُفرِّقُ شَمْلَنا صرْفٌ مِنَ الأيَّامِ كانَ وَقاحا
وقُلوبُنا جَمعَت إلى وادي حِمى لُبنانَكُمْ ومَراحَهُ الفَيَّاحا
وإلى عَنادِلِ جِلَّقٍ وجِنانِها "ظَهْرَ الشُّوَيـرِ" وطَيرَهُ الصَّدَّاحا
شُبَّانَ سُورِيَّا الفَتيَّةِ إنَّكم بَرقُ الأماني في الدُّجنَّةِ لاحا
عَقَدَت عليكم أمُّكم آمالَها ورَجَت نَجاحًا يَبعَثُ الأفراحا
فإلى التَّقدُّمِ والجِدالِ لعلَّها تَلقى مِنَ الدَّهرِ الشَّحيحِ سَماحا!
المصدر: ديوان بدر الدين الحامد، مطبعة الإصلاح بحماة، 1928، ص72.





سمات القصيدة

