Skip to main content

ويوم كأن الدهر سامحني به

أبو الفرج الببغاء

العصر العباسي

ويومٍ كأنَّ الدَّهرَ سامَحَني بهِ فصارَ اسمُه ما بَينَنا هِبةَ الدَّهرِ
جَرَت فيهِ أفراسُ الصِّبا بارتِياحِنا إلى دَيرِ مُرَّانَ المُعَظَّمِ والعَمرِ
بحَيثُ هواءُ الغوطتَينِ مُعَطَّرُ الـ ـنَّسيمِ بأنفاسِ الرَّياحينِ والزَّهرِ
فمِن رَوضةٍ بالحُسنِ تَرفِدُ رَوضةً ومِن نَهَرٍ بالفيضِ يَجري إلى نَهْرِ
وفي الهَيكلِ المعمورِ منهُ افترَعتُها وصَحبي حَلالًا بَعدَ تَوفيةِ المَهرِ
وَنَزَّهتُ عن غيرِ الدَّنانيرِ قَدرَها فما زِلتُ مِنها أشرَبُ التِّبرَ بالتِّبرِ
وحَلَّ لنا ما كانَ منها مُحرَّمًا وهَل يُحظَرُ المحظورُ في بَلدِ الكُفرِ؟
فأهدَت ليَ الأيَّامُ فيهِ مَودَّةً دَعَتنيَ في سِترٍ فلَبَّيتُ في سِترِ
أتى مِن شريفِ الطَّبعِ أصدَقَ رَغبةً تُخاطِبُني عن مَعدِنِ النَّظمِ والنَّثرِ
وكانَ جَوابي طاعةً لا مَقالةً ومَنذا الَّذي لا يَستَجيبُ إلى اليُسرِ؟
فلاقَيتُ مِلءَ العينِ نُبلًا وهِمَّةً مُحلَّى السَّجايا بالطَّلاقةِ والبِشرِ
وأحشَمَني بالبِرِّ حتَّى ظنَنتُهُ يريدُ اختِداعي عن جَناني ولا أدري
ونزَّهَ عن غيرِ الصَّفاءِ اجتِماعَنا فكنتُ وإيَّاهُ كقلبَينِ في صَدرِ
وشاءَ السُّرورُ أن يَلينا بثالِثٍ فلاطَفَنا بالبَدرِ أو بأخي البَدرِ
بِمُعطي عُيونٍ ما اشتَهَت مِن جَمالِهِ ومُضني قُلوبٍ بالتَّجنُّبِ والهَجرِ
جَنَينا جَنِيَّ الوردِ في غيرِ وَقتِهِ وزَهرَ الرُّبا مِن رَوضِ خَدَّيه والثَّغرِ
وقابَلَنا مِن وَجهِهِ وشَرابِهِ بشَمسَينِ في جُنحَي دُجى اللَّيلِ والشَّعرِ
وغنَّى فصارَ السَّمعُ كالطَّرْفِ آخِذًا بأَوفَرِ حَظٍّ مِن مَحاسِنِهِ الزُّهرِ
وأمتَعَنا مِن وَجنتَيهِ بمِثلِ ما تَمَزَّجُ كفَّاهُ مِنَ الماءِ والخمرِ
سُرورٌ شكَرنا مِنَّةَ الصَّحوِ إذ دعا إليهِ ولم نَشكُرْ بهِ مِنَّةَ السُّكرِ
كأنَّ اللَّيالي نِمنَ عنهُ فعِندَما تَنبَّهنَ نَكَّبنَ الوفاءَ إلى الغَدرِ
مَضى وكأنِّي كنتُ فيهِ مُهوِّمًا يُحدِّثُ عن طَيفِ الخيالِ الَّذي يَسري
وهل يَحصُلُ الإِنسانُ مِن كلِّ ما بهِ تُسامِحُهُ الأيَّامُ إلَّا على الذِّكرِ
المصدر: ديوان عبد الواحد بن نصر المخزومي (الببغاء)، تحقيق: سعود محمود عبد الجابر، دار الحامد للنشر والتوزيع، ط1، 2004، ص94.
سمات القصيدة
القراءات: 25 قراءة