Skip to main content

الفاجعة

خير الدين الزركلي

العصر الحديث

اللهَ لِلْحَدَثانِ كيفَ تَكيدُ بَرَدى يَغيضُ وَقاسِيونُ يَميدُ
وَفَواجِعُ المَلَوَينِ ما لِجِماحِها كَبْحٌ ولا لِجِراحِها تَضميدُ
تَفِدُ الخُطوبُ على الشُّعُوبِ مُغِيرَةً لَا الزَّجْرُ يَدفَعُها ولا التَّهديدُ
هل في الشَّآمِ وَأَهلِهِ مِن نابِسٍ وَالنَّائِباتُ لَها عَلَيهِ وُفُودُ
ما في دِمشقَ لِناهِضٍ مِن عِزَّةٍ وَبِها سُرادِقُ غاصِبٍ مَمدُودُ
بَلَدٌ تَبَوَّأَهُ الشَّقاءُ فَكُلَّما قَدُمَ اسْتَقامَ لَهُ بِهِ تَجديدُ
لانَتْ عَرِيكةُ قاطِنِيهِ وما دَرَوا أَنَّ الضَّعيفَ مُعَذَّبٌ مَنكُودُ
لَمَسُوا جِبالَ حُقُوقِهِم وَتَعلَّقُوا وَالحَقُّ يُعْوِزُهُ قَـنًـا وَبُـنُـودُ
مَا تَنفَعُ الحُجَجُ الضَّعيفَ وَإِنَّما حَقُّ القَوِيِّ مُعَزَّزٌ مَعضُودُ
لَهفي على وطنٍ يَجوسُ خِلالَهُ شُذَّادُ آفاقٍ، شَراذِمُ سُودُ
أَبَرابِرُ «السَّنِغالِ» تَسلُبُ أُمَّتي وطني، ولا يَتصدَّعُ الجُلمودُ
شَرُّ البَلايا والبَلايا جَمَّةٌ أن تَستَبيحَ حِمَى الكِرامِ عَبيدُ
مَن لِلحِمَى؟ أَيَقيهِ مِن عَثَراتِهِ طُولُ الأَناةِ؟ وفي الأَناةِ جُمودُ
زُعَماؤُهُ مُتَنافِرونَ، وأهلُهُ مُتَناظِرونَ، ولِلعُداةِ وُعودُ
كم رَدَّدُوا رأيًا لعلَّ بِهِ الهُدى والرَّأيُ آفَةُ نُجْحِهِ التَّرديدُ
وَرَدُوا بِـهِ كَـدَرَ الحَياةِ وَصَفْوَها عَبَثًا، وَليسَ على السَّرابِ وُرُودُ
وَتَراجَعُوا يَـتَقَلَّبونَ على لَظًى وَبِـكُـلِّ قَـلبٍ لَـوعـةٌ وَوَقُـودُ
غَـلَتِ المَراجِـلُ، فَاسْتَشَاطَتْ أُمَّةٌ عَـرَبِـيَّـةٌ، غَـضَـبًا، وَثَـارَ رُقُـودُ
زَحَـفَت تَـذُودُ عَـنِ الـدِّيارِ، وَما لَها مِـنْ قُـوَّةٍ، فَـعَـجِـبتُ كيفَ تَذُودُ
الطَّـائِـراتُ مُـحَـوِّمـاتٌ حَـوْلَـها وَالـزَّاحِـفـاتُ صِـراعُـهُـنَّ شَـديدُ
وَلَـقَـد شَـهِـدتُ جُـمُوعَها وَثَّـابـةً لَـو كانَ يُـدفَعُ بِالصُّدُورِ حَديدُ
وَيحَ الجُناةِ عـلى الـشَّـآمِ جِنَايةً تَيْـمُورُ ضـاقَ بِـمِثـلِها وَيَـزيدُ
جَهَرُوا بِتَحريرِ الشُّعُوبِ وَأَثـقَلَت مَـتْنَ الشُّعُوبِ سَـلاسِـلٌ وَقُـيُودُ
كَـم أَنَّـةٍ بَـلَغَ الـسَّـمـاءَ دَوِيُّـهـا مِـن أُمَّـةٍ تَـفنى أَسًـى وَتَـبِـيدُ
رِيْعَ الفَضاءُ لَهَا، فَـجَلْجَلَ قَاصِفٌ وَتَـزَلْزَلَت أَرضٌ وَخَـرَّ مَـشِـيدُ
خَدَعُوكِ يا أُمَّ الحَضارةِ فَارْتَمَتْ تَـجـني عَلَيـكِ فَيالِقٌ وَجُنُودُ
قُرآنُ أَحمَدَ إِن بَـكاكِ فَقَد رَثَى لَـكِ قَبلَهُ الإنجِيلُ وَالتَّـلْمُـودُ
مَـن ذا يُـكَـفـكِفُ أَدمُـعًا مُهراقةً كـالغَيثِ تَهطِلُ حَسْرةً وَتَجُودُ
تُسـفَى بِـها فِي الغُوطَتَيْنِ مَبَاسِمٌ ذَهَبَ الـنُّـواحُ بِـمـائِها وَخُـدُودُ
أَحَمامَةَ الـوَادي الأَغَـنِّ تَـفَجَّـعي وَتَـوَجَّـعي لا يَـحْـسُـنُ التَّغْريدُ
هَلَّا تَـلَوتِ عـلى مَعالِـمِ جِـلَّـقٍ مِـنِّي التَّـحِـيَّـةَ وَالـمَـزارُ بَـعِـيدُ
لَـم أَسْـلُـها، وَحَبَستُ عَنها عَبْرَتي إنِّـي عـلى حُـرَقِ الأَنـينِ جَـلِيدُ
أَنا في هَواكِ كَما يَشاءُ هَواكِ لي كَـلِـفٌ بِـحُـبِّكِ يا دِمَـشـقُ وَدُودُ
لَمْ أَنْـأَ عَنكِ قِلًى ولا لِنَقِيصةٍ ما أَنتِ إِلَّا رَبعيَ المَحمودُ
وَلَقَد هَجَرتُكِ حِينَ حاقَ بِكِ الأَذى ما لِلأُباةِ على الهَوانِ قُعودُ
أُقصِيتُ عَنكِ وَلَو مَلَكتُ أَعِنَّتي لَم تَنبَسِطْ بَيني وَبَينَكِ بِـيـدُ
أَتَرَينَها الأَيَّامَ تَجمَعُ بَينَنا وَتَرَينَ عَهدَ صَفائِها سَيَعودُ؟
أَتَضُمُّنا بَعدَ الشَّتاتِ خَمائِلٌ رَيَّانةٌ وَأَزاهِرٌ وَوُرودُ؟
ما لي تُساوِرُني الهُمومُ كأَنَّني هَدَفُ اللَّيالي وَالزَّمانُ يَصيدُ
أُمسي وَأُصبِحُ كَالمُدَلَّهِ حائِرًا يَعتادُني التَّأريقُ وَالتَّسهيدُ
وَعَهِدتُني ثَبْتَ الجَنانِ على النَّوى وَالنَّفسُ تَضعُفُ تارةً وَتَئِيدُ
نَذَروا دَمي حَنَقًا عَلَيَّ، وَفاتَهُم أَنَّ الشَّقِيَّ بِما لَقِيتُ سَعيدُ
اللهُ شاءَ لِيَ الحَياةَ، وَحاوَلوا ما لَم يَشأْ، وَلِحُكمِهِ التَّأييدُ
قُلْ لِلمُشيدِ بِذِكرِهِم هَلَّا انْـثَنى وَعَلَيهِ مِن كَلَحِ الصَّغارِ بُرودُ
خانَ العُهودَ فَلَم تَبَرَّ يَمينُهُ وَعَلى رُؤوسِ الخائِنِينَ شُهودُ
في ذِمَّةِ الأَجيالِ نَهضَةُ أُمَّةٍ أَودى بِها التَّهويلُ وَالتَّهديدُ
وَثِقَت بِعَهدِ الأَقوِياءِ فَأَسلَمَت هَيهاتَ ما لِلأَقوِياءِ عُهودُ
ما سَجَّلَ التَّاريخُ عِبْرَةَ وَأْدِها إلَّا لِيَنهَضَ في الغَدِ المَوْؤودُ
إِن لم تَهُبَّ غَدًا تُخَلِّدُ مَجدَها فَلِمَجدِها مِن بَعدِهِ التَّخليدُ
وَالشَّعبُ إِن عَرَفَ الحَياةَ فَما لَهُ عَن دَرْكِ أَسبابِ الحَياةِ مَحيدُ
المصدر: ديوان الزِّرِكلي الأعمال الشِّعريَّة الكاملة الطبعة الثَّانية مؤسَّسة الرسالة ـ بيروت الصفحة: 116
سمات القصيدة
القراءات: 18 قراءة