آمال وآلام
أَرى سَنةً تمضي وعامًا بِنا يَجري يُضيِّقُ مِن آجالِنا فُسحةَ العُمْرِ
وَرَدْنا على هذا الوجودِ أجِنَّةً تَسيرُ بِنا الأيَّامُ في السَّهْلِ والوَعْرِ
لنا أَملٌ في كُلِّ عامٍ مُجَدَّدٌ نُرجِّي بهِ صَفْوَ الحياةِ، وما ندري
مضى عامُنا الأدنى بذَنْبٍ، فَعَلَّهُ يجيءُ الَّذي يتلو المُغادِرَ بالعُذرِ
سَلَكْنا بهِ ظلماءَ حالِكةَ الدُّجى ولمَّا انْقضى حانَت لَنا رِقْبَةُ الفجرِ
ألا أيُّها العامُ الَّذي كانَ مَنُّـهُ على النَّاسِ شُؤْبُوبًا مِنَ الدَّمِ لا القَطْرِ
تَحَبَّسَ فيهِ الغيثُ حتَّى إذا انْجلى لنا الأمرُ كانَ الغيثُ مِن دَمِنا يَجري
أفاضَ علينا بالنَّعيمِ ابْتداؤُهُ وزُلزِلَتِ الغَبراءُ عُقباهُ بالشَّرِّ
لقد هاجَني مِن جانبِ الشَّرقِ صائِحٌ يَنوحُ وباكٍ، حيثُ مُستَتَرُ البَدْرِ
وذو صَخَبٍ خَوفَ الرَّدى في شَمالِها يُردِّدُ أنَّاتِ الجَنوبِ مِنَ الذُّعْرِ
تَوَرَّدَ وجهُ اليَمِّ حتَّى حَسِبتُهُ مِنَ الجُثَثِ المُلقاةِ مُلتَهِبَ الجَمْرِ
وشابَ قَذالُ الأُفْقِ مِن رَهَجِ الوَغى وأقفرَ رَحْبُ البَرِّ مِن زُمَرِ البَرِّ
فلا الأرضُ بالأرضِ الَّتي كنتُ عاهِدًا ولا البحرُ بحرُ المَـدِّ والجَزْرِ بالبَحْرِ
تغيَّرَ شكلُ الأرضِ في بعضِ حِقبةٍ وبُدِّلَ خيرُ الأرضِ بالشَّرِ في شَهْرِ
كوامِنُ أحقادٍ أُثيرَت فَهَيَّجَت نُفوسًا لِتَطْلابِ القديمِ مِنَ الثَّأرِ
فَيَا أيُّها الحَوْلُ الَّذي لاحَ فجرُهُ يُعلِّلُ بالصَّفْوِ المُؤمَّلِ والبِشْرِ
لعلَّكَ حَوْلُ الحَوْلِ والقُوَّةِ الَّتي تُطامِنُ مِن كِبْرِ العُتاةِ ذوي الكِبْرِ
تُعزِّزُ مَهضومًا وتجلو غَضاضةً وتنهَضُ بالأقوامِ مِن حَمْأَةِ الضُّرِّ
تُسَكِّنُ رَوْعَ الخائفِينَ فَيَزدَهي بِكَ الوَجِلُ المَذعورُ مُبتهِجَ الصَّدْرِ
سَيَسْكُنُ جَأْشُ الدَّهرِ بعدَ اضْطرابِهِ ونَرفُلُ بالنَّعْماءِ حِينًا مِنَ الدَّهْرِ
المصدر: ديوان الزِّركلي
الأعمال الشِّعريَّة الكاملة الطبعة الثَّانية
مؤسَّسة الرسالة ـ بيروت
الصفحة: 72





سمات القصيدة

