Skip to main content

إطلالة العيد

حسن النيفي

العصر الحديث

وَقْدٌ بصدرِكَ أم لحنٌ وتَغريدُ سِرَّانِ في الرُّوحِ أم جرحٌ وتَنهيدُ؟
فامنَحْ فؤاديَ بعضًا مِن تشوُّقِهِ وخُذْ بقيَّةَ ما أبقيتَ يا عِيدُ
لستُ الحَفيَّ بدُنيا شوكُها بدمي ومُرُّ علقمِها في القلبِ مَعمودُ
هذي غلالُكَ مِن نُعمى وغاليةٍ وذي غلاليَ آهاتٌ وتَسهيدُ
ليتَ الأحبَّةَ خَلْفَ البيدِ مَوعِدُهُم لَكنتُ آمُلُ أن تدنوْ المَواعيدُ
أو أستجيرُ بأحزانٍ تُحاصرُني لَهُنَّ في النَّفْسِ - إن فاضَت - أخاديدُ
أو أسألُ البيدَ: كم كَفَّنتِ مِن أَمَلٍ وكم تأوَّهَ تحتَ الرَّمْلِ مَوْؤُوْدُ؟
الرَّاحلونَ وفي عَينِي مَواكِبُهُم والشَّمسُ والأرضُ تَسبيحٌ وتَوحيدُ
غابوا فليسَ وراءَ الأُفْقِ وَمضُ مُنًى إن رَفرَفَ الشَّوقُ وانداحَت مَواجيدُ
الحامِلونَ شُموسًا في تألُّقِها بينَ الضُّلوعِ وجُنْحُ اللَّيلِ مَمدودُ
المُشرِعونَ جِراحًا مِن توهُّجِها نورٌ على بَسَماتِ النَّجمِ مَنضودُ
الضَّارعونَ بآياتِ الهُدى سَحَرًا إلى العَليِّ وآيُ الفجرِ مَشهودُ
هل عانقَ الفجرَ رجعٌ مِن ندائِهِمُ اللهُ أكبرُ مادَ السَّهلُ والطَّودُ
اللهُ أكبرُ فالأعوادُ خاشعةٌ والقيدُ مُضطرِبٌ والحبلُ مَشدودُ
وتُشرقُ الشَّمسُ فالأجسادُ خامدةٌ والرُّوحُ في كَنَفِ الرَّحمنِ مَصمودُ
عندي عرائشُ أحزانٍ مُعلَّقةٌ في واحةِ النَّفْسِ والذِّكرى عَناقيدُ
جَحافِلُ الرُّعبِ مِن حَوْلي تُباغتُني أم تَذرفُ الخوفَ مِن راحاتِها البِيدُ؟
يا شاعرَ السَّيفِ والأقلامِ راعفةً سالا على الرَّمْلِ فالدُّنيا أناشيدُ
كِلاهما دَفقةٌ مِن طبعِها انبثقَت مَواسمُ الفتحِ إحقاقٌ وتَوطيدُ
أضِقتَ بالعيدِ لا ماضٍ يَلوحُ بهِ فشاطَرَتكَ المُنى أيَّامُكَ السُّودُ؟!
سِيَّانِ يا صاحبي فالرُّوحُ إن طَفَحَت بالنُّورِ راقَ لها في الوَجْدِ تَجديدُ
فاظفَرْ بحُزنِكَ كأسًا لا يُعكِّرُها مِن مُوحِلِ النَّفْسِ إسفافٌ وتَنكيدُ
خَشيتَ كافورَ إذ ولَّيتَ مُرتحِلًا ودُونَ خَطوِكَ أهوالٌ وتَهديدُ
وجِئتَ شَطْرَ فتى حمْدانَ مُلتمِسًا نَضارةَ المَجدِ حيثُ المجدُ والجُودُ
فانفَحْ شَذاكَ شعورًا ليسَ يُطفئُهُ إن سَفَّ عصرُكَ، إغرابٌ وتَجريدُ
ما صخرةٌ أنتَ لا تُصْيبكَ كأسُ طِلًى ولا فؤادُكَ في نَجواهُ جُلْمودُ
لكن تعافُكَ مِن ذا العَصْرِ بَهجتُهُ فأنتَ مِن حَرَمِ اللَّذَّاتِ مَطرودُ
فهلْ لِمِثليَ في نَجواكَ سلْوتُهُ إن أيقظَ الجرحَ عندَ الفجرِ تَغريدُ
واكتظَّ في الصَّدرِ مِن غلْوائِهِ حِمَمٌ وعادَني مِن نَحيبِ الكونِ تَرديدُ؟
أيترُكُ العُمْرُ لي حُلْمًا أُعانقُهُ ويَظفرُ اليومَ بالإحسانِ مَوعودُ؟
أم غِيضَ في الجرحِ مِن شُحِّ الهَوى لهبٌ هيهاتَ يُزهرُ فوقَ الجُذْوَةِ العُودُ!
أُطارحُ الشَّوقَ مِن عُمْري ويَطرحُني وعدٌ بناصيةِ الأيَّامِ مَعقودُ
يا شاعرَ الخَيلِ وُقِّيتَ العذابَ فهلْ لِفَرْطِ حُزنِكَ أنتَ اليومَ مَحسودُ
شَقيتَ بالأمسِ فالآمالُ خائبةٌ والدَّربُ دُونَ مَعينِ المُلْكِ مَسدودُ
فما لذلِكَ أدمنتَ الأسى أبدًا وما شكوتَ الهوى إذ جافَتِ الغِيدُ
قد أبدعَ الحُزنَ في مَنفايَ لي وطنٌ ثرُّ المَواجعِ فهْو اليومَ مَنكودُ
جَفَّ الإباءُ حزينًا في مَحاجرِنا فالذُّلُّ مُنتشِرٌ والعِزُّ مَفقودُ
والرُّوحُ بينَ هَشيمِ العُمْرِ ثاويةٌ والجسمُ طيَّ كُهوفِ اللَّيلِ مَجلودُ
هل كَفُّ صهيونَ أهدانا شقاوتَنا أم هل سقانا كؤوسَ العُهْرِ عِربيدُ؟!
فاهنَأْ حظيتَ بأحزاني وما وسعَت ودُونَ ذلكَ مِن قَولي فمَردودُ
واصبِرْ فديتُكَ علَّ الفجرَ مَوعدُنا فالصَّبرُ في النَّفْسِ يومَ الرَّوعِ مَحمودُ
المصدر: ديوان رماد السنين، حسن النيفي، الملتقى للنشر، ط2، 2020، الصفحة: 59.
سمات القصيدة
القراءات: 12 قراءة