Skip to main content

يا رفيق الدرب

نبيه سلامة

العصر الحديث

جاءَنا الـنَّاعِي فَشَلَّ الكَلِما وإلى الأكبادِ رَاشَ الأَسْـهُـما
حينَ رَنَّ النَّعْيُ في أَسـماعِنا دمعُـنا العاصي تلظَّى وهَمى
يـومَ قـالُوا: ماتَ مِـنَّا شاعِرٌ أجَّـجُوا في كُلِّ صَـدرٍ ضَرَما
أخرَسَ الدَّهرُ لِسـانًا ذَرِبًـا وغَشـى الفِكْرَ، وقَضَّ المَرْقَما
كـانَ بالأمسِ هَـزارًا مُنشِدًا يُنعِشُ الـرُّوحَ ويَجلو السَّأَما
«نَسَماتُ الجَبَلِ» السَّامي ازْدَهَت تَنشُـرُ العِطرَ فَتُنْجِي النَّسَما 1
نَقَلَتها رِيـشـةٌ سـاحِرةٌ عَن شُـعُورٍ كُلَّما دَقَّ نَـما
و«حَصادُ اليومِ» أعطى ثَمَرًا حَسَنَ الشَّكلِ لَذِيذًا مَطْعَما
فَتَغَذَّى العقلُ مِن أقواتِـهِ وتَمَنَّى الغَيرُ هذا المَوْسِما
يا «أَنَاشِيدَ الغُرُوبِ» انتَحِبي أنتِ في الدُّنيا رضيعٌ يُتِّما
إِنَّ مَن صـاغَكِ مِـن إِيحائِـهِ عَطَّـلَ الدَّهرُ رُؤَاهُ والفَـما
كُلُّ ما أنشـدَهُ مِـن شِعرِهِ كانَ شِـعرًا مُستجِدًّا قَيِّما
خُضرةُ الأرزِ حَبَتـهُ لَونَها وبياضُ الثَّـلجِ كانَ الوَشَما
عـاشَ لِلأوطانِ في مَهجَرِهِ عربيًّا مُـسـتهامًا مُغرَما
لُغةُ الضَّـادِ هَـواهُ المُصطفى وبِها خَيرَ القَوافي نَظَما
لم يُقَيِّـدْ شِعرَهُ في مَنسَكٍ بل تَمادى وتخطَّى التُّخُما
أيُّ قُطرٍ عربيٍّ لم يكُنْ فيهِ مَرمُوقًا عَزيزًا مُكْرَما
قَرَؤُوهُ وأقَرُّوا شِعرَهُ وأحَـلُّـوهُ المَكانَ الأعظَما
ورَأَوْا فيهِ فَتًى إِيمانُهُ أَن يَرى الأَوطانَ تَعلو القِمَما
يا رفيقَ الدَّربِ أسرعتَ الخُطى تارِكًا في كُلِّ قَلبٍ أَلَما
كم مَشَيْنا وافْتَدَيْنا بالَّذي يَحرُسُ الحَرفَ، ويَرعى القَلَما
كُنتَ فِينا شاعِرًا أقوالُهُ وَقْعُها في النَّفْسِ يَحكي النَّغَما
تَستقي الإلهامَ مِن يُنبوعِهِ وتُذَرِّيـهِ بَيانًا مُلْهَما
كُلَّما أنشَدتَ شِعرًا رائِعًا صَفَّقَ الفَنُّ، وهَزَّ العَلَما
كُلَّما جاؤوا على ذِكْرِ امْرِئٍ عَبقَرِيِّ الرُّوحِ كُنتَ التَّوْأَما
أيُّها الرَّاحِلُ عَن أحبابِهِ لم يَزِدْكَ البُعْدُ إلَّا أمَما
أنتَ نُورٌ حاوَلوا إطفاءَهُ فازْدَهى النُّورُ، وَشَقَّ الرُّجَما
سوفَ تَبقى ما حَيِينا حاضِرًا وإلى الأجيالِ تَبقى نُجُما
المصدر: ديوان الشاعر المَهجَري؛ نبيه سلامة، جمعَه وقدَّم له واعتنى به: د.حسَّان أحمد قمحِيَّة، دار الإرشاد للنَّشر، سوريا ـ دمشق، الطبعة الثانية 2023م، الصفحة:472.

1ـ فَتُنْجِي هكذا جاءت في الأصل ويبدو أنها فَتُحْيي، أمَّا «نسماتُ الجبل» و «حصاد اليوم» و «أناشيد الغروب» فهذه دواوين شعرية للفقيد.

سمات القصيدة
القراءات: 16 قراءة