أبو الرقعمق
هو أبو حامد؛ أحمد بن محمد الأنطاكي، المعروف (بأبي الرَّقَعْمَق)، وأصلُه من أنطاكية؛ وهي ((قصبة بالشَّام، وهي من أعيان البلاد وأمهاتها، موصوفة بالنزاهة، والحسن، وطيب الهواء، وعذوبة الماء، وكثرة الفواكه، وسعة الخير)).
ولا تسعفُنا كتبُ التَّاريخ الأدبيِّ في تقديم تفصيل وافٍ عن الشَّاعر، ونشأته الأولى، ومراحل حياته المختلفة، مثلما لا نجد مُسوِّغًا للَّقب الَّذي غلب على اسمه (الرَّقَعْمَق)؛ إذ لا تفيدنا المعجمات اللغوية في تقديم معنى له، وأغلبُ الظَّنِّ أنَّه نَحتٌ لصفتين عُرِفَ بهما الشَّاعر، هما (الرقيع والأحمق)، والنَّحْت أصلٌ من أصول العربيَّة، وباب من أبواب الاتِّساع في اللغة؛ يؤتى به طلبًا للإيجاز والاختصار، ويبدو أن سيرته في حياته، واتخاذه طريقًا يخالف فيه شعراء عصره؛ كان سببًا في إطلاق هذا اللَّقب عليه، فشاعرُنا عاش حياة اللهو، والعبث في مصر، وتدنّى بشخصيَّته إلى أدنى مستويات المجتمع؛ مما جعل منه محطَّ سخرية واستهزاء.
ولا نكاد نعرف شيئًا عن سيرته قبل وفوده على مصر في أوائل حكم الفاطميِّين.
أشادَ من ترجم للشَّاعر بشعره، وبفنِّه الأدبيِّ، فقال الثَّعالبي: ((نادرة الزَّمان، وجملة الإحسان، وممَّن تصرَّف بالشعر الجزل، في أنواع الجد والهزل، وأحرز قصب الفضل، وهو أحد المُدَّاح المُجيدين، والفضلاء المُحسنين، وهو بالشَّام كابن حجاج بالعراق))، ونقل ابن خلكان، والصفدي، وابن العماد الحنبلي هذا النص، وزاد عليه ابن خلكان بقوله: ((وأكثر شعره جيِّد))، وقال فيه ابن العديم: ((وكان أبو حامد الأنطاكي حسن الشِّعر في الجد والهزل، وسافر إلى الديار المصريَّة ومدح بها الحاكم الفاطمي))، وقال أيضًا: ((وكان مطبوع الشِّعر، يذهب بشعره مذهب ابن مهران الشَّاعر المصري، ومذهب ابن الحجاج الشاعر البغدادي، ويجيء مليحا))، وقال عنه الذهبي: ((من أعيان شعراء زمانه، ظريف الشِّعر، كثير المجون، والهجو، مدح ملوك مصر ورؤساءها فمدح المعز، والعزيز، والحاكم، والوزير ابن كلس...)).
وفي هذه النصوص، وغيرها؛ يتبيَّن لنا إعجاب النُّقَّاد بفن أبي الرَّقعمق؛ ربما لأنَّه كان يمثل ظاهرة فريدة في المجتمع الفاطمي، ويجمع بين نمطين من الشعر؛ الأول الأدب الجاد، ونجده في كثير من مدائحه، وفي شكواه، والآخر: الأدب الهازل؛ الذي وجدناه في لهوه، وعبثه، وكان ينحدر فيه إلى أدنى مستويات المجتمع..
ذكر من ترجم للشاعر أنه أقام بمصر زمانًا طويلًا، وظل يتنقل بين ربوعها حتى أدركته المنيَّة سنة 399هـ.






